الاستجواب في الأسر
مقدمة
في معجم دهخدا، عُرِّفت كلمة «الاستجواب» بأنّها تعني «فعل المتستجیب» أي الاستجواب، التفتيش، التجسس، التحقيق، والبحث[١]. والمقابل الإنجليزي لها هو كلمة (الاستجواب). والاستجواب هو مقابلة تُجرى عادةً بواسطة ضباط ) الشرطه القوات الاستخباراتية Interrogation والعسكرية ، وكذلك الضباط القضائيين المخوّلين (كالقاضي التحقيق، المدَّعي العام) بهدف التحقيق وكشف الحقيقة من المتهم، الشاهد، أو الضحية[٢].
بكلمات أخرى، الاستجواب هو إجراء قضائي مع مراعاة حقوق دفاع المتهم وتمييز التهمة الصحيحة من الخاطئة، وينفذه مسؤول قضائي أو أمني. ويُسمّى الشخص الذي يجري الاستجواب «بازجو» أو «بازپرس»[٣].
في معجم «سخن» الكبير، الاستجواب يعني «سؤال المتهم والتحاور معه بالسؤال والجواب»[٤].
أنواع الاستجواب
كان الاستجواب خلال فترة المقاومة (الأسر) يُجرى في أماكن ومواقف متنوعة:
- على خطوط الجبهة من الأول إلى الثالث؛ أي في منطقة الأسر والقواعد الحدودية؛
- الاستخبارات (جهاز المخابرات) والسجون الأخرى؛
- المعسكرات[٥].
أ) الاستجوابات الأولية
كان للاستجواب الأولي في منطقة الأسر سمة خاصة، لأنّ الأسير الحربي لا يزال تحت صدمة لحظة الأسر، وبعبارة أخرى، ليس في وعيه الكامل. وقد تصب هذه الصدمة في مصلحة العدو فيتمكن بسهولة من تفريغ الأسير الحربي من المعلومات.
لكنّ الأسير الحربي، شيئاً فشيئاً، يستعيد وعيه ويدرك موقعه في الأماكن والمواقف الأخرى. ويؤدّي عنصرا اليقظة والمقاومة لدى الأسير دوراً مهماً في الاستجواب. فباستخدام هذين العنصرين، يستطيع الشخص الأسير عبور المراحل الصعبة من الاستجواب التي ترافقها عادةً الضرب. وأحياناً يلجأ العدو إلى الإغراء أو إظهار اللطف المصطنع ويحاول تقديم نفسه بمظهر المتعاطف والرفيق.
يمارس المحقق ضغطاً نفسياً وروحياً وجسدياً، ويطرح أسئلة بلا انقطاع لإرباك الأسير المنهزم وإجباره على قول تناقضات.
«بجانب عمل الاستجواب، كانت فرق التصوير تعمل عادةً للاستخدام الدعائي للأسرى».
«كانت الاستجوابات تتنوّع وتختلف كثيراً تبعاً لنوع المنطقة الجغرافية، التنظيم القتالي للأفراد الأسرى، الانتماء العسكري أو المدني للأسير، الزمن والموقف العملياتي الذي أُسر فيه الفرد. ومن جهة أخرى، كان نوع أسئلة المحققين يعتمد كلياً على ظروف المحققين أنفسهم»[٦].
إبراهيم اعتصام، جريح حرب وأسير محرَّر أُسر في نيسان/أبريل 1987 في منطقة الشلمحة وتم إرساله إلى معسكر تكريت 12، يقول عن ذكريات استجوابه:
«كان مقابل السجن مبنى أمني آخر، حيث كانت تُجرى الاستجوابات الفردية. وبالطبع، في ذلك المكان، كان فقط العملاء بلباس مدني والعملاء المسؤولون عن ذهاب وإياب الأسرى يرتدون اللباس العسكري وكانوا يستطيعون التنقل. عند الدخول إلى غرفة الاستجواب، كان الشخص الجالس خلف المكتب، باستخدام أوراق فردية، يستجوب الأفراد بأسئلة حول المواصفات الشخصية، الوحدة العسكرية، منطقة الخدمة والأسر، العمر، الحالة الاجتماعية (متزوج أو أعزب) وعدد الأولاد. كان المترجم يقوم بعمل الترجمة، وكان على الأسير الوقوف واقفاً. أحياناً كان الاستجواب يستغرق ٤٥ دقيقة وحتى ساعة كاملة، وأحياناً أقل.
كان أحد الأسئلة حول الرتبة العسكرية للأسير. كان معظم الرفاق يُعرّفون عن أنفسهم كجنود، لكنّ محقق الاستجواب لم يكن يقتنع، وكان يصرّ على أن يقول: "حرس الخميني؟ هل أنتم حرس الخميني؟" سبق أن قال الأصدقاء إنّ هؤلاء يبحثون عن أفراد الحرس والباسيج الذين كانوا مسؤولين في الوحدات القتالية. كانوا ينظرون إلى شكل وهيئة الأشخاص، ويُصعّبون الأمر على أولئك الذين لا يتناسب سنّهم مع فترة الخدمة العسكرية.
أنا إبراهيم اعتصام مواليد سنة ١٩٥٩، في ذلك اليوم الذي كنتُ أحاكم وأُستجوب في الاستخبارات (السجن الأمني العراقي). في ٩ حزيران/يونيو ١٩٨٧ دخلت عامي التاسع والعشرين وكان واضحاً أنني لست في سنّ الخدمة العسكرية!
في تلك الأوضاع، كنت أشعر بصبر وقوة داخلية جيدة. كنت ألوم نفسي بأنّ على المرء أن يكون عزيزاً في مواجهة العدو. لا أعلم لماذا سكت العراقي؟ هل كان التوسل الذي قدّمته لأولياء الله قبل الاستجواب قد ألان له طبعه؟ نظر إليَّ بنظرة لا تدلّ على اللطف ولا على الغضب، وقال: "انصرف!".
في ذلك اليوم، سُجِّلتُ في دفتر الأسرى الإيرانيين في سجن بغداد باسم إبراهيم، علي، حسين، اعتصام، وبفئة الباسيجي، وحتى نهاية الأسر، كلما أُجري حضور وغياب في الدفتر، كنت أُدعى بهذه المواصفات»[٧].
كانت معظم الاستجوابات الأولية تُجرى للأسباب التالية:
- التوصّل إلى هدف إيران من العملية؛
- التوصّل إلى معرفة الزمان، المكان، الكيفية وطريقة العملية المستقبلية؛
- تحديد الموقع القتالي للطرف الآخر؛
- الوصول إلى معلومات عسكرية (خرائط العمليات، معلومات سرّية، شفرات أجهزة اللاسلكي، إلخ)؛
- التوصّل إلى عدد الأفراد، المعدات؛
- التوصّل إلى عدد القتلى والأسرى؛
- الاطّلاع على غنائم الحرب؛
- تحديد هويات أفراد الحرس ورجال الدين.
علي علیدوست (علي قزويني) الذي أُسر في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٨٠ في منطقة قصر شيرين وكان متمركزاً في معسكر الموصل ١ و معسكر الموصل ٢ يقول التالي:
«كانت الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً عندما جاء دوري للاستجواب. مع الخبرات التي كانت لدي من الثورة واستجوابات السافاك، لم أتوتر أمامهم. هم أيضاً، مثل جهاز السافاك، تعاملوا باحترام بداية. بعد عدة أسئلة، شعروا أنّني أنوي خداعهم، فبدأوا بالضرب والشتم والسب. كنت أعلم أنّني لو تهاونت، فلن أتخلّص بعد ذلك من مخالب هؤلاء. وبما أنّ التقية أيضاً من تعاليم الإسلام، اضطررت إلى التمسك بأقوالي أكثر وأصررت عليها وكنت أؤكد باستمرار على صحّتها. كانت طريقتهم على هذا الشكل: كل من يدخل كانوا يريدون إقناعه بأنّهم يعرفون أنّه من الحرس، أو من اللجنة، أو رجل دين. مع أنّني كنت لا أزال أرتدي حذاء الحرس وسرواله، لكن كلّما حاولوا الحصول على اعتراف بأنّني من قوات الثورة، لم أوافق. بالطبع، كان لديهم أدوات وأجهزة متنوعة للحصول على الاعترافات. في الاستجوابات الأولية، كانوا يستخدمون غالباً العصا الكهربائية واللكمات والركلات أو الضرب بالفلقة، لكن إذا اشتبهوا بشخص، كانوا يعلّقونه في المراحل اللاحقة من الاستجواب على مروحة، وفي حين كانت المروحة تدور، كان يبدأ عدة أشخاص بضربه.
بعد أسئلة المرحلة الأولى، بدأوا يسألون عن معلومات سياسية. النقطة الغريبة هنا كانت أنّ بعض الخلافات والنقاشات التي كانت قد ظهرت حديثاً في البلاد، كانوا على اطّلاع تام عليها، وكانوا يسألون عن تفاصيلها. وأمر آخر أنّهم في أحاديثهم كانوا يؤيدون صراحةً بني صدر. وكانوا حساسين جداً تجاه الشهيد بهشتي و حزب الجمهورية الإسلامية. وبما أنّني قلتُ إنني من قزوين، سألوني عن ممثل الحزب الجمهوري في قزوين. فذكرتُ اسماً أو اسمين مزيفين لأخلّص نفسي ومن جهة أخرى كي لا أضطر إلى ذكر أسماء أشخاص حقيقيين.
بعد الاستجواب ألقوني خارجاً وجلسنا في نفس الممر حتى حوالي الظهر. ثمّ أخذونا إلى القاعة التي كنا قد فُصلنا منها، وفتحوا أيدينا وأعيننا. بعض الأصدقاء لم يعودوا. هناك أدركتُ أنّ الذين لم يستطيعوا الإجابة بشكل جيد ما زالوا محتجزين»[٨].
ب) استجوابات المعسكرات
طبقاً لرواة فترة الأسر، كانت الاستجوابات تُجرى عادةً مراراً، لكنّ الاستجواب الخاص بمرحلة بداية الأسر لم يكن كذلك، وكان كلّ أسير حرب أثناء مدّة الأسر يُستجوب مراراً وتكراراً لأسباب مثل الأسباب التالية:
- أحداث المعسكر؛
- الاطّلاع على الأوضاع الداخلية للمعسكر؛
- الأنشطة؛
- خطط الهروب، إلخ.
وكانت هذه الاستجوابات مصحوبة بعنف أكبر، وكان على الأسرى تحمّل تعذيب قاسٍ ومتعب جسدياً وروحياً[٩].
علي علیدوست (علي قزويني) الذي أُسر في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٨٠ في منطقة قصر شيرين وكان متمركزاً في معسكر الموصل ١ ومعسكر الموصل ٢ يقول:
«استدعوني مرة أخرى للاستجواب. كان داوود واقفاً أمام باب المقر. قال إنّهم يريدون استجوابك لكن كن حذراً لأنّ المحقق يجيد الفارسية.
سألني المحقق: "لماذا أصبحتَ بهذا النحول والهزال؟"
قلتُ: "في فترة الأسر، من الذي يسمن؟ على أي حال، مشقّة الأسر والغربة تُنحّف الإنسان".
قال المحقق: "إذاً لماذا لم يَنْحُلْ هذا داوود؟"
قلتُ: "داوود أيضاً ليس راضياً عن الأسر".
قال داوود للمحقق: "سيدي، كنتُ عسكرياً، كنتُ من الجيش، وكان واجبي الدفاع عن بلدي في مواجهة الهجوم. أنتم أيضاً أسرتموني كعسكريّ وأحضرتموني إلى هنا. لستُ مستاءً لأنّ كلّاً منا أدّى واجبه. لكنّ هذا العبد لله كان شخصاً عادياً وألقي القبض عليه في الطريق. من حقّه أن يكون مستاءً".
سألني: "ما رأيك في نظام إيران؟"
قبل أن أقول شيئاً قال: "هل تعلم ما الذي ادّعاه نظام إيران مؤخّراً؟"
قلتُ: "لا أعلم".
قال: "السيد الخميني في أحاديثه ادّعى أنّ إمام الزمان لن يظهر بعد الآن لأنّني أنا إمام الزمان والإمام الثاني عشر للشيعة".
قلتُ: "ليس لديّ معلومات عن هذه المناقشات".
قال: "يمكننا إحضار الشريط لتسمعه".
قلتُ: "سأكون ممتناً لو فعلتم ذلك".
قال: "إذا أحضرنا شريط قائدكم وهو يقول ذلك، فهل تقبلونه؟"
قلتُ: "لا".
قال: "إذا قال شخص آخر مثل هذا الكلام، فهل تعتبرونه مسلماً؟"
قلتُ: "لا".
قال: "حتى لو كان شخص قائدكم نفسه ويقول إنّني الإمام الثاني عشر، فهل تعتقدون أنّ هذا الشخص مسلم؟"
قلتُ: "كلّ من يقدّم مثل هذا الادّعاء ليس مسلماً، حتى لو كان شخصه هو نفسه".
قال: "شكراً لأنّكم تُدركون جيّداً هذه المسألة وأنّه ليس إماماً".
قال: "هل تريدون أن تصلح إيران؟"
قلتُ: "أنا أسير هنا، والأسير لا يفكر إلا في الخلاص".
قال: "يمكنكم إرسال رسالة لقادة إيران لإنهاء الحرب".
قلتُ: "أنا لست في مكانة تسمح لي بإعطاء مثل هذه الرسالة لأحد".
باختصار، مضت حوالي أربعين دقيقة مع هذه الأسئلة والأجوبة معهم، وبعد ذلك عدتُ إلى الغرفة»[١٠].
انظر أيضاً
فهرس
- ↑ دهخدا، علي أكبر (2023). تحت كلمة "بازجویی". متاح على الرابط: https://vajehyab.com/dehkhoda/%D8%A8%D8%A7%D8%B2%D8%AC%D9%88%DB%8C%DB%8C
- ↑ جعفري لنغرودي، محمد جعفر (2011). مصطلحات القانون. طهران: مكتبة گنج دانش،
- ↑ بازجویی (2023). ويكيبيديا الفارسية. متاح على الرابط: https://fa.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%A7%D8%B2%D8%AC%D9%88%DB%8C%DB%8C
- ↑ أنوري، حسن (2002). معجم "سخن" الكبير. طهران: نشر سخن،
- ↑ خوب نژاد، فريبرز (2023). مقابلة شخصية.
- ↑ سالمي نژاد، عبدالرضا (2007). معارف الأسرى المحررين. طهران: مؤسسة پیام آزادگان،
- ↑ اعتصام، إبراهيم (2016). مقابلة شخصية.
- ↑ علیدوست (القزويني)، علي (2016). مقابلة شخصية.
- ↑ سالمي نژاد، عبدالرضا (2007). معارف الأسرى المحررين. طهران: مؤسسة پیام آزادگان،
- ↑ علیدوست (القزويني)، علي (2016). مقابلة شخصية.
فرزانه قلعه قوند