الإحصاء
تعداد الأسرى الإيرانيين وحضورهم وغيابهم في المعسكرات.

عمليات الإحصاء التي أجراها عناصر نظام البعث الحاكم في العراق للأحرار (الأسرى) في المعسكرات.
يُطلق على الإحصاء في اللغة العربية مصطلح «إحصاء»، وفي اللغة الإنجليزية «Statistics»، وهو جزء من علم الرياضيات يعني «جمع البيانات الرقمية». وفي الثقافة الفارسية (وفقاً لمعجم عميد)، يأتي الإحصاء بمعنيين: العدّ والحصر، أو جمع البيانات وإجراء التعداد.
وفي سياق الأسر، لم يكن لاستخدام مصطلح “الإحصاء” أي علاقة بمعناه وتطبيقاته العلمية، بل كان يُقصد به غالباً عملية “التعداد” وحصر أعداد الأفراد، وهي عملية بدأت منذ اللحظة الأولى للأسر واستمرت حتى اللحظة الأخيرة لتبادل الأسرى[١]. كان الهدف من هذه العملية هو الحصول على معلومات حول عدد الأسرى لتقديمها إلى القيادات العليا في الجيش العراقي التابع لنظام البعث، والمنظمات الدولية، ووسائل الإعلام.
كانت عمليات الإحصاء اليومية تُجرى في جميع المعسكرات، وكان الهدف منها هو الحصول على المعلومات والتأكد من صحة البيانات الأولية. وفي هذه العمليات الإحصائية، يمكن استعراض عدة جوانب مهمة: عدد مرات إحصاء الأسرى، طريقة الإحصاء، الإحصاء غير المبرمج (خارج الجدول)، إحصاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر (إحصاء الأسرى من قبل الصليب الأحمر)، وإحصاء المرضى والجرحى.
عدد مرات الإحصاء
بناءً على ما ورد في مذكرات الأحرار: كان الموعد المعتاد للإحصاء في جميع المعسكرات يتم في الصباح قبل الخروج، وفي المساء قبل الدخول إلى المبيت (الآسایشگاه). وفي الظروف العادية، كان عناصر نظام البعث في معظم المعسكرات يجرون الإحصاء ثلاث مرات يومياً: صباحاً، وظهراً، وليلاً، كما كان الحال في “بند ملحق” في تكريت ومعسكر نهروان. وفي بعض الأحيان، كانوا يجرون الإحصاء في منتصف الليل. وفي المعسكر رقم ۸ في الرمادي (الأنبار)، كان عناصر نظام البعث يعدّون الأسرى عدة مرات خلال النهار؛ حيث يبدأ أول تعداد في الساعة الثامنة صباحاً، يليه تعداد آخر بعد تناول وجبة الإفطار. وفي بعض الأيام، كانت عمليات الإحصاء تصل إلى أربع مرات يومياً.
تغير عدد مرات الإحصاء في كل معسكر بناءً على وضع الأسرى: في الأيام الأولى من الأسر، كانت وتيرة الإحصاء مرتفعة وغير معتادة؛ فعلى سبيل المثال، كان عناصر نظام البعث في بداية فترة الأسر يخرجوننا عشر مرات، حيث يتم عدّنا واحداً تلو الآخر قبل إعادتنا إلى المبيت[٢]. كما كانت وتيرة الإحصاء تزداد بشكل غير طبيعي قبل قيام اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتسجيل أسماء الأسرى؛ ففي معسكرات تكريت مثلاً، وقبل وصول أي خبر عن الصليب الأحمر، كان التعداد يتكرر لدرجة تسبب الإرهاق والضجر للجميع. فكانوا يجرون الإحصاء داخل المبيت في الصباح، وعند وقت الاستراحة (هواخوری) نُجبر على الجلوس في الساحة مرة أخرى ليتم عدّنا باستخدام الضرب بالأسلاك (الكابل)، وعند عودتنا إلى المبيت يُجرى إحصاء آخر، بالإضافة إلى الإحصاء أثناء الغداء والعشاء وقبل النوم، حيث يأتي الضابط ليأخذ الإحصاء النهائي لليوم[٣].
كما كان يتم زيادة عدد مرات الإحصاء ومدتها قبل أو بعد أي اشتباك أو صدام يحدث بين الأسرى ومسؤولي المعسكر[١]. وكذلك يزداد التعداد بعد أي محاولة فرار، سواء كانت ناجحة أو فاشلة؛ ففي حالات الفرار مثلاً، كان عدد مرات الإحصاء يرتفع خلال النهار إلى عشر مرات أو أكثر، ويصل في الليل إلى ثلاث أو خمس مرات[٤]. وفي المعسكر رقم ۱۶ بتكريت، أدت محاولة فرار غير ناجحة لأحد الأسرى الإيرانيين إلى زيادة عدد مرات الإحصاء اليومي من ثلاث مرات إلى خمس مرات، مع إضافة إحصاءات لفترتي ما قبل الظهر وما بعد الظهر إلى الإحصاءات المعتادة (الصباح، الظهر، والليل)[٥].
لقد كانت عملية الإحصاء وسيلة لمضايقة الأسرى وإيذائهم، وقد أدرك عناصر نظام البعث ذلك، ولذلك كانوا يزيدون من وتيرة التعداد. وكان السبب الرئيسي لانزعاج الأسرى هو الاضطرار للجلوس لفترات طويلة على الأرض؛ حيث كان التعداد في بعض الأحيان يستغرق من ساعة إلى ساعتين، وكان على الأسرى خلال هذه المدة بأكملها البقاء جالسين على الأرض. إن الجلوس الطويل في طوابير الإحصاء، بمعدل خمس مرات يومياً، كان أمراً مرهقاً ومؤلماً للغاية[٥].
طريقة الإحصاء (التعداد)
۱. في الظروف العادية: كانت طريقة الإحصاء في مختلف المعسكرات متشابهة إلى حد كبير. كان التعداد يتم أحياناً عبر عدّ الأفراد واحداً تلو الآخر دون ذكر أسمائهم، وأحياناً أخرى عبر مناداة أسماء الأسرى مع ذكر الاسم والاسم الأول للأب واسم الجد (لأن عناصر نظام البعث لم يكونوا يعترفون بلقب العائلة/الكنية). وكانت هذه الطريقة في الإحصاء تستغرق وقتاً أطول. ففي معسكر (۱۱ تكريت)، كان الأسرى عند الساعة الثامنة صباحاً، ومع سماع صفارات عناصر نظام البعث، يقفون في أماكنهم داخل المبيت بالزي الرسمي ليتم إحصاؤهم. وبعد الانتهاء من إحصاء جميع المبيتات وتقديم تقرير مكتوب إلى قائد المعسكر، يخرج القائد من المعسكر، وعندها يُسمح للشباب بالخروج إلى الساحة بإذن من عناصر نظام البعث[٦]. أما في بعض المعسكرات مثل “موصل”، فكان الإحصاء يتم خارج المبيت وفي مجموعات مكونة من خمسة أفراد[٧]. وبشكل عام، كان الإحصاء يُجرى خارج المبيت وأمامه مباشرة، ولكن في فصل الشتاء أو عند هطول الأمطار، كان يُجرى داخل المبيت. وفي بعض معسكرات موصل، كان التعداد يتم تحت الشرفة (البلكونة) أمام المبيت[١].
في بداية الأسر، كان عناصر نظام البعث يعدّون الأسرى واحداً تلو الآخر، وغالباً ما كانوا يخطئون في العدّ، مما يضطرهم لتكرار العملية. وبعد مرور شهرين أو ثلاثة، تعلموا كيفية جعل الأسرى يجلسون في مجموعات من خمسة أفراد ليقوم جندي واحد بعدّ هذه المجموعات[٨]. وفي معسكري (۱۲ تكريت) و(۱۶ تكريت)، كان الإحصاء يتم في وضعية الجلوس ضمن مجموعات خماسية أو في صفوف داخل المبيت. وتحت الإكراه، كان لزاماً علينا خفض رؤوسنا أثناء عملية الإحصاء[٢].
وللاستعداد للإحصاء، كان أحد الضباط يطلق صافرة خاصة؛ فمع سماع الصافرة الأولى، كان على الأسرى أينما كانوا أن “يلتصقوا بالأرض” (يجلسوا فوراً) دون حراك. ومع الصافرة الثانية، كان عليهم الركض نحو مبيتهم، ثم مع الصافرة الثالثة التي تُطلق بعد ثوانٍ قليلة، يجب أن يجلسوا في صفوف خماسية أمام المبيت ليقوم الضابط البعثي بعدّهم. وإذا لم يحضر الأسير إلى صف الإحصاء فور سماع الصافرة الثالثة، كان يتعرض للضرب المبرح بالأسلاك (الكابل)[٩].
وفي “بند ملحق” بتكريت، بمجرد سماع صافرة الإحصاء، كان علينا الاصطفاف أمام المبيت في الساعة المحددة تماماً، والجلوس على القدمين في وضعية “العمود الخماسي” (خمسة أفراد في صف)، حيث نضم ركبنا إلى صدورنا ونخفض رؤوسنا بين أرجلنا، حتى يصل القائد أو أحد الضباط رفيعي المستوى ليقوم بالعدّ. ولم يكن يُسمح لنا بالنهوض من الصف حتى ينتهي إحصاء جميع المبيتات الأربعة والعشرين[٥].
۲. أهداف أخرى: بالإضافة إلى الهدف الأساسي وهو حصر أعداد الأسرى، كان عناصر نظام البعث يسعون وراء هدف آخر يمكن اعتباره نوعاً من أنواع التعذيب الجسدي[١٠]. فعلى سبيل المثال، في معسكر “موصل ۱”، كان الجنود العراقيون التابعون لنظام البعث يجبرون الأسرى أثناء الإحصاء على الجلوس على أيديهم وأرجلهم (على أطرافهم الأربعة) بحيث تلامس رؤوسهم الأرض[١١]. كما كان الإحصاء يُجرى في بعض المعسكرات خلال الليل أيضاً[١٠].
أحياناً، كان يتم إجبار الأسرى على الجلوس على أقدامهم لفترات طويلة حتى تتصلب وتخدر[١٢]. وفي أحيان أخرى، كانوا يجبرون الأسرى على اتخاذ وضعية السجود أثناء الإحصاء. ولزيادة المعاناة، كان يتم في بعض عمليات الإحصاء إبقاء الأسرى تحت أشعة الشمس لمدة ثلاث ساعات دون أحذية أو ملابس داخلية، أو في حالات أخرى، عندما لا يتجاوز الإحصاء ۴۵ دقيقة، كان يتم إبقاؤهم تحت الشمس أو في البرد القارس لمدة ساعة ونصف. وعادةً ما كان سلوك عناصر نظام البعث يتغير بعد العمليات الناجحة لإيران، وكان هذا التغيير يظهر بوضوح في عمليات الإحصاء؛ ففي الصباح، عندما كانوا يفتحون أبواب المبيت، كان الأسرى يستطيعون تخمين ما حدث في الجبهات ليلة أمس من خلال طريقة تعاملهم. وبعد حالات الفرار، كانت طريقة الإحصاء تصبح غير عادية أحياناً، حيث وصف أحد الأسرى ذلك قائلاً: “أخرجونا من المبيت بالضرب. كان برد الشتاء القارس، وعدم وجود ملابس مناسبة، والجوع الشديد، كلها عوامل تضافرت لإضعافنا. جلسنا وخفضنا رؤوسنا، وبدأوا بقراءة الأسماء، وكل من يُنطق اسمه كان عليه أن يقول ‘نعم’[٢].
الإحصاء غير المبرمج (خارج الجدول)
في حالات كثيرة وفي معسكرات مختلفة، كانت تُجرى عمليات إحصاء خارج الجدول الزمني المعتاد. طوال فترة الأسر، في أي لحظة يشاءها عناصر نظام البعث، كانوا يطلبون منا الاصطفاف لإجراء التعداد[٢]. وحتى عندما أرادوا نقل عدد من الأشخاص إلى مكان آخر، كان يتم إحصاء جميع الأسرى. وأحياناً كان الإحصاء يتزامن مع أوامر “الإقامة الجبرية” (داخل باش) عند رغبتهم في إدخال أسرى جدد إلى المعسكر. كما كان يُعاد الإحصاء عند إجراء التفتيش الجسدي أو تفتيش المبيتات. وفي أحيان أخرى، كان الإحصاء يُجرى بغرض توزيع الملابس والمستلزمات المختلفة، أو بسبب حضور ممثلي المنظمات الدولية أو زيارة قيادات عليا[١].
إحصاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر
عندما كان مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر يأتون إلى المعسكرات لإجراء عملية التسجيل الأولي، كان الإحصاء يتم باستخدام الأسماء؛ حيث كان يتم تزويد الأسرى بالمعلومات اللازمة لأداء مهمة المندوبين، والمتمثلة في معرفة أعداد الأسرى وكيفية إيوائهم ومعاملتهم[١]. أما بالنسبة للمعسكرات التي كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد سبق له تحديدها وتسجيلها، فقد كان الإحصاء يتم إما من قبل عناصر نظام البعث أو من قبل مندوبي الصليب الأحمر أنفسهم.
إحصاء الجرحى والمرضى
في معسكر “موصل ۲”، كان يتم إجراء إحصاء منفصل للجرحى الذين يعانون من إصابات بليغة، وكان ذلك يتم داخل المبيت[١٣]. وفي بعض المعسكرات، وبناءً على قرار القائد، كان يُعفى الجريح من أداء التحية العسكرية أثناء عملية الإحصاء. على سبيل المثال، كان مسؤول المعسكر شخصاً يُدعى “جاسم”، وقد أعفى الأسرى الجرحى من وجوب أداء التحية لقوات نظام البعث أثناء التعداد، وهو ما شملني أيضاً[١٤].
انظر أيضاً
- أسرى الحرب
- تسجيل أسرى الحرب
- وتيرة عدّ الأسرى
- إجراءات العدّ
- عمليات عدّ الأسرى غير المجدولة
- إحصاءات الصليب الأحمر حول أسرى الحرب
المراجع
- ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ١٫٤ ۱. أحدطجري، محمد علي (۱۳۹۵ هـ.ش / ۲۰۱۶ م). مقابلة.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ رجائي، غلام علي (۱۳۸۸ هـ.ش / ۲۰۰۹ م). فرهنگ آزادگان (ثقافة الأحرار)، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة. طهران: سوره مهر.
- ↑ شكوري، فاطمة (۱۳۹۴ هـ.ش / ۲۰۱۵ م). روزهای خاردار (الأيام الشائكة)، مذكرات الأسير محمد جواد ميانداري. زنجان: غواص.
- ↑ وقائع اردوگاهی (وقائع المعسكر)، العدد ۲۷۷، معسكر الأنبار.
- ↑ ٥٫٠ ٥٫١ ٥٫٢ حسينيپور، سيد ناصر (۱۳۹۴ هـ.ش / ۲۰۱۵ م). پایی که جا ماند (القدم التي بقيت)، الجزء الحادي والخمسون. طهران: سوره مهر.
- ↑ مولودي، مسعود (۱۳۸۶ هـ.ش / ۲۰۰۷ م). آزادی در اسارت (الحرية في الأسر)، الطبعة الثانية، طهران: منظمة باسيج المجتمع الطبي، ص. ۱۱۳.
- ↑ ناطق، ساسان (۱۳۸۶ هـ.ش / ۲۰۰۷ م). پشت میدان نبرد (خلف ميدان المعركة)، مذكرات الأسير الإيراني المحرر رحمان پرزحمت، طهران: سوره مهر، ص. ۸۲.
- ↑ زماني، علي اصغر (۱۳۸۲ هـ.ش / ۲۰۰۳ م). بررسی وضعیت اسرای ایرانی در اردوگاههای عراقی (دراسة وضع الأسرى الإيرانيين في المعسكرات العراقية). طهران: سروش، ص. ۸۲.
- ↑ صابري ابوالخيري، محمد (۱۳۹۰ هـ.ش / ۲۰۱۱ م). سرگذشت اسارت در سلّولهای بغداد (قصة الأسر في زنازين بغداد). طهران: بينش آزادگان.
- ↑ ١٠٫٠ ١٠٫١ عزيزي، مجتبى (۱۳۸۹ هـ.ش / ۲۰۱۰ م). «نظرة إلى وضع الأسرى الإيرانيين في العراق»، مجلة الدراسات التاريخية، السنة السابعة، الصيف، العدد ۲۹: ۱۴۳-۱۶۵.
- ↑ شيردل، حسن (۱۳۹۰ هـ.ش / ۲۰۱۱ م). شب موصل (ليل الموصل)، مذكرات الأسير المحرر محمد حسين منصف، الطبعة الرابعة. طهران: سوره مهر، ص. ۱۶۳.
- ↑ گلستانزاده، مسلم (۱۳۹۵ هـ.ش / ۲۰۱۶ م). مقابلة.
- ↑ مهديخاني، مجتبى (۱۳۹۵ هـ.ش / ۲۰۱۶ م). مقابلة.
- ↑ بابك، رضا (۱۳۹۴ هـ.ش / ۲۰۱۵ م). مقابلة. طهران: إيرنا.
للمزيد من القراءة
- مقيسه، محمد حسن (۱۳۷۲ هـ.ش / ۱۹۹۳ م). آزادگان بگویید (أيها الأحرار قولوا)، المجموعة الثانية. طهران: سوره مهر.
- ياحسيني، سيد قاسم (۱۳۸۷ هـ.ش / ۲۰۰۸ م). مهمان فشنگهای جنگی (ضيف الرصاص الحربي)، مذكرات الأسير المحرر مجيد بنشخته (سجاديان)، الطبعة الثالثة. طهران: سوره مهر.
- يحيوي، سيد حسين (۱۳۹۴ هـ.ش / ۲۰۱۵ م). دوره درهای بسته (حقبة الأبواب المغلقة)، الجزء ۱۱؛ برواية الأسير رقم ۳۰۷۹: غلام عباس محمد حسني، طهران: روایت فتح.
الكاتب
فرزاد بيات موحد