إجبار الأسرى على ضرب بعضهم بعضًا
كان إجبار الأسرى على ضرب بعضهم بعضًا من أساليب التنبیه والتعذيب النفسي التي تعرّضوا لها. فقد كان عناصر نظام البعث يُرغمون الأسرى على ضرب بعضهم بعضًا، ومن يرفض ذلك كان يتعرّض لعقاب شديد[١].
وفي معسكرات الأسر التابعة لنظام البعث الحاكم في العراق، كان من أساليب إذلال الأسرى الإيرانيين وتعذيبهم أنه في بعض الحالات، وبسبب كثرة أعدادهم، كانوا يُوقَفون اثنين اثنين في مواجهة بعضهم بعضًا، ويُجبَرون على صفع بعضهم أو ضرب وجوه بعضهم. وكان لهذا الأسلوب آثار نفسية وأخلاقية عميقة، سنتناولها فيما يلي.
كان هذا الأسلوب العنيف والمهين متعدد الأبعاد
۱. كسر وحدة الأسرى: كان الأسرى يُوضَعون في موقف يُجبَرون فيه على إيذاء أحد مواطنيهم، وكان ذلك يمثّل انتصارًا نفسيًا كبيرًا لعناصر نظام البعث ومحاولةً لزرع الفرقة بين الأسرى.
۲. اللعب بالوقت: كان تأخير تنفيذ العقوبة وإطالتها يشكّل نوعًا آخر من التعذيب؛ إذ كان الأسرى يعلمون أنهم سيُجبَرون في نهاية المطاف إمّا على الضرب، وإمّا على التعرّض لتعذيب أشد.
۳. الاستياء والشعور بالذنب: حتى عندما كان الأسرى يدركون أنهم مكرهون على هذا الفعل، كان ذلك يترك في نفوسهم شعورًا بالعار والذنب، بل كان يؤدي أحيانًا إلى نشوء مشاعر استياء أو ضغائن خفية بين الأصدقاء.
۴. المقاومة السلبية: كان الأسرى يتصرّفون بذكاء؛ فيحافظون على المظهر الخارجي تنفيذًا للأوامر، تجنّبًا للتعذيب المباشر، لكنهم كانوا يوجّهون ضربات خفيفة أو يتظاهرون بالضرب فقط، حتى لا يتعرّضوا للعقاب من جهة، ولا يُلحقوا أذى كبيرًا برفاقهم من جهة أخرى. وكان ذلك مثالًا بارزًا على المقاومة الأخلاقية في أصعب الظروف.
موقف عبدالرضا في معسكر تكريت
في إحدى الحالات، في خريف عام ۱۳۶۷ هـ.ش (۱۹۸۸ م)، في معسكر تكريت ۱۲، العنبر ۶، كان عبدالرضا آنذاك في الحادية والعشرين من عمره، شابًا مفعمًا بالطاقة، وطالبًا جامعيًا ترك سنته الجامعية الأولى طوعًا والتحق بالجبهة ليؤدّي واجبه تجاه وطنه في مواجهة اعتداء القوات العراقية التابعة لنظام البعث.
فقد وقف محتجًّا على هذا النوع من العقاب في وجه عناصر نظام البعث، وقال:
«نحن أسرى، وهذا المكان معسكر أسر، وأنتم مكلّفون بأن تعاقبونا بأنفسكم، لا أن تلقوا بنا ليتقاتل بعضنا مع بعض.»[٢]
وقد منح موقف عبدالرضا معنوياتٍ جديدةً لبقية الأشخاص الذين كانوا يتعرّضون للعقاب في ذلك المكان. وكأنّ موقفه بثّ في نفوسهم طاقةً مضاعفة؛ فكبّروا جميعًا دفعةً واحدة، ووقفوا بثبات في وجه عناصر نظام البعث.
وما إن رأى عناصر نظام البعث وحدة هؤلاء الشباب حتى أوقفوا هذا الأسلوب من العقاب فورًا.
ورغم صغر سنّه، أظهر عبدالرضا شجاعةً استثنائية. فمن خلال موقف مبدئي وإنساني، لم يحافظ على كرامته فحسب، بل أعاد إحياء روح الوحدة والتضامن بين بقية الأسرى.
وكانت صيحة التكبير الجماعية للأسرى تعبيرًا عن الطاقة المتجدّدة والمقاومة الجماعية في مواجهة الإذلال والخضوع؛ إذ استلهمت من موقف عبدالرضا، وأضفت معنىً على احتجاج جماعي مؤثّر.
وعندما رأى عناصر نظام البعث وحدة الأسرى وصمودهم، تراجعوا وأوقفوا ذلك الأسلوب المهين؛ لأنهم أدركوا أن الاستمرار فيه سيؤدي إلى ردود فعل جماعية أوسع.
وكانت هذه الحادثة مثالًا بالغ الإلهام على المقاومة الأخلاقية والجماعية في أقسى الظروف الممكنة.
«كان ذلك درسًا كبيرًا لنا جميعًا؛ فقد أثبت أن شجاعة فرد واحد يمكن أن تمنحه، وتمنح الآخرين أيضًا، درسًا في مقاومة العدو.»
تحليل وتوسيع الدلالات
۱. الشجاعة الفردية تشعل شرارة جماعية
يستطيع فرد واحد، من خلال قول «لا» في الوقت المناسب، أن يكسر سلسلة الصمت والسلبية. وقد أثبت عبدالرضا أن الجرأة الأخلاقية تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من السلاح.
۲. المقاومة معدية
عندما كبّر الأسرى وصمدوا، أثبتوا أن الأمل والتضامن قابلان للانتشار حتى في ظروف الأسر؛ فالعدو يخشى الوحدة والتماسك، لا الأفراد المتفرقين.
۳. قوة الاقتداء
لم يقتصر أثر هذا الموقف على اللحظة نفسها، بل أصبح نموذجًا سلوكيًا لبقية الأسرى وللأجيال اللاحقة، يثبت أن الإنسان قادر على الحفاظ على كرامته حتى في ذروة الضغوط.
۴. رسالة إلى حاضرنا
لا يقتصر هذا الدرس على الحرب والأسر؛ ففي كل مجال نواجه فيه الظلم أو الاستبداد أو الإذلال، يمكن لشجاعة فرد واحد أن تكون بدايةً للتغيير.
انظر أيضاً
- العقاب و التعذيب
- التنبیه والتعذيب النفسي
- التنبیه في الأسر
- التعذيب في الأسر
- التنبیه والتعذيب الجسدي
المراجع
- ↑ المجلس العلمي لدائرة معارف آزادغان (۱۳۹۹ هـ.ش / ۲۰۲۰ م). دائرة معارف آزادغان: الأسرى الإيرانيون المفرج عنهم في حرب نظام البعث الحاكم في العراق ضد إيران. طهران: معهد الدراسات الإنسانية والثقافية؛ رسالة آزادغان.
- ↑ نكوئيان، عبدالرضا. مذكّرات عبدالرضا نكوئيان.
الكاتب
عبدالرضا نكوئيان index.php?title=تصنيف:العقاب و التعذيب index.php?title=تصنيف:العنف