الموارد و النصوص التعليمية في الأسر
اتسمت الموارد التعليمية بتنوع خاص. ففي عديد المراحل الزمانية والمكانية، كانت الذاكرة هي المورد التعليمي الوحيد. وبالتوازي مع الإحساس بضرورة ملحة للتعليم، جرى تدريجياً من خلال الممارسة والتكريب تصنيف المحفوظات وكتابتها في شكل كراسات وكتب، لتصبح مادةً للتعليم. فيما بعد، وخصوصاً بعد حضور ممثلي الصليب الأحمر في المعسكرات، دخلت بعض الكتب؛ وذلك إثر طلب مجموعة من الطيارين الأسرى كتب قصص منهم، ليتحول سائر الأسرى أيضاً إلى طالبي كتب.
تنوع الموارد التعليمية
وهكذا، وبموافقة السلطات البعثية، وُضعت المصاحف و"نهج البلاغة" و"مفاتيح الجنان" والقواميس و"ديوان حافظ" و"كليلة ودمنة" والموارد العامة للغات المختلفة (العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الإسبانية، والروسية)، والكتب المدرسية للمراحل الدراسية المختلفة في إيران – على الأقل في بعض الفترات – بين يدي عموم الأسرى الخاضعين لإشراف الصليب الأحمر، والذين بلغ عددهم نحو تسعة عشر ألف أسير،[١][٢][٣][٤] ثم خُصصت غرف صغيرة للمكتبة. كما توفر عدد محدود من هذه الكتب في كل مهجع. وواجهت دراسة هذه المصادر بعض القيود. أما في المعسكرات السرية، فلم تُتاح أي كتب للتعليم سوى نسخ محدودة من المصحف بلا ترجمة – مثلاً نسخة واحدة لكل مهجع يسع ١٠٠ أو ١٥٠ شخصاً[٥][٦].
أساليب التعليم
كان استخدام الكتب والفرص التعليمية يختلف بحسب أحوال الأفراد وجديتهم؛ إذ حتى لتدريس الكتب المدرسية التي أحضرها الصليبيون، لم تكن تتوفر وسائل تعليمية كالصف أو السبورة، أو حتى إذن بالاجتماع. كان قرار السلطات البعثية يقضي بالقراءة الفردية للكتب والتغاضي عن مناقشات ثنائية أو ثلاثية بين الأسرى. وثمة استثناء واحد للقاعدة العامة المتمثلة في منع الأدوات الكتابية وإقامة الدروس، حيث جرى – على سبيل المثال – في معسكر عنبر عزل نحو ٤٠٠ أسير من المراهقين والشباب، وإقامة دروس لهم، وجلب معلمة من خارج المعسكر، وتصوير فصلهم[٧].
رغم وجود الممنوعات واضطراب الأوضاع، كانت نهضة التعليم حركة مستمرة نامية وجهادية. وأينما كان المعلم والطلاب أكثر جدية، وُعِظت دروس أكثر متنوعة واكتُسبت مهارات أكثر، وارتقى طالبو العلم إلى مراحل أعلى، وكثيراً ما أصدرت التشكيلات الثقافية لهم شهادات واعتبرتهم مصدر إلهام. ومع أن هذه التعليمات التلقائية والمعارف المطلوبة ذاتياً لم تؤد إلى الحصول على شهادة أو سجل دراسي رسمي معتمد، إلا أنها – ونظراً لكونها سُعت وراءها بشكل تكليفي وبكل الوجود رغم انعدام الإمكانيات وفي فضاء مختلف – ترسخت للأبد في وجدان المحررين[٧][٨].
وفي المعسكرات السرية، لم تُتاح حتى الموارد التعليمية. لذا اقتصرت الموارد التعليمية على المحفوظات الذهنية، وكراسات موجزة محدودة ألفها نخب من الأسرى في محاور كالقرآن والدعاء والأحكام والعقود ومحو الأمية[٨][٥]. وبطبيعة الحال، استُخدمت نصوص الصحف العربية أو الإنجليزية، التي كانت متاحة عموماً، في تعليم اللغة والترجمة. كما كان يمكن لبعض الكتب (ترجمة كلمات صدام) والنشرات الدعائية المعادية مثل "حقيقة" أو "مجاهد"، التي كانت متاحة[٩]، أن تُستخدم في محو الأمية الفارسية. وكان اكتشاف الدفاتر والكراسات التعليمية المناسبة لمحتواها يصاحبها عقاب[١٠][١١].
أدوات الكتابة في الأسر
كانت كثير من أدوات الكتابة في الأسر خاصة بذلك العالم أيضاً؛ ففي تلك الأجواء حيث كان حيازة القلم والورق محظورة في الغالب، ويُعد العثور عليهما جريمة. وبالإضافة إلى البحث السري عن أقلام رصاص وأقلام حبر عادية، والسعي الكامل للاستفادة القصوى منها، وهو ما كان يصحبه التخفي، جرى استخدام بعض أدوات الكتابة الابتكارية كفحم البطارية بدلاً من القلم، والخشب المنحوت والماء بدلاً من القلم وحبر الخط، والأرض (الترابية أو الإسفلتية) والجدار كلوح، وورق الظروف المختلفة كالورق العادي.[٢][١١][١٢] كما يُذكر ابتكار قلم حبر باستخدام المحقن، وتحضير الحبر باستخدام بعض النباتات أو الحشرات، أو تصميم نوع من اللوح بالاستفادة من الكرتون ومعجون الأسنان والقماش والبلاستيك[٢].
وفي بعض المعسكرات الرسمية، وتأخراً وبعد طلب من مندوبي الصليب الأحمر، وُضع عدد محدود من الأقلام والورق تحت التصرف، لكن بعد فترة، وبحجة استخدامها في أمور محظورة، منعوها، بل حتى أنهم جمعوا أدوات الكتابة التي كان مندوبو الصليب الأحمر يضعونها تحت التصرف لكتابة الرسائل مرة كل شهرين تقريباً[٢][٩].
انظر أيضاً
- التعليم
- تعليم القرآن في الأسر
- تعليم نهج البلاغة في الأسر
- تعليم الأدب والترجمة
- الدراسات الأحادية
- القلم في الأسر
- الورق في الأسر
فهرس
- ↑ براتي، محمدرضا (٢٠٠٨). ترنم رهایی، مشهد: زلال أندیشه، ص ٢٠٤-٢٠٥ و٢١٨.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ أماني زاده، علي أصغر (٢٠١٤). دراسة وضع الأسرى الإيرانيين في معسكرات العراق. طهران: سروش، ص ١٣٠ و ١٤٥-١٤٦.
- ↑ ياحسيني، سيد قاسم (٢٠٠٨). مختبئ تحت المطر، ط٢، طهران: سورة مهر، ص ٣٦١.
- ↑ ركني، سيد كاظم (٢٠١٠). يد فوق يد. قم: ياران قلم، ص ٧٤.
- ↑ ٥٫٠ ٥٫١ حيدري نسب، عليرضا (٢٠١٧). الساتر الثاني عشر. طهران: بيام آزادگان، ص ١٩٢-٢٠٢.
- ↑ معرفي، حسين (٢٠١٥). أبناء الحاج قاسم، ط١، طهران: الفاتحون، ص ٣٩٠.
- ↑ ٧٫٠ ٧٫١ مبوهوتي، أحمد (٢٠٠٩). ديار الغربة. طهران: بيام آزادگان، ص ٢٧٤.
- ↑ ٨٫٠ ٨٫١ اعتصام، إبراهيم (٢٠١٥). نحو الطيران. طهران: بيام آزادگان، ص ١٥٨.
- ↑ ٩٫٠ ٩٫١ رحمانيان، عبد المجيد (٢٠٠٤). المسرح في الأسر، ط٢، طهران: أمل آزادگان، ص ٢٨.
- ↑ حمزة، محمود (٢٠١٠). من أجل زهرة النرجس. طهران: بيام آزادگان، ص ٦٥ و ٨٥.
- ↑ ١١٫٠ ١١٫١ آغا محمدي، محمدرضا (٢٠١٣). قليلاً حتى نهاية العالم. طهران: سورة مهر، ص ١٣٠.
- ↑ زاغيان، أصغر (٢٠٠٧). المعسكر الثاني عشر. قم: مؤسسة نينوى الثقافية، ص ٣٢٧.
علي رضا حيدري نسب