الدعاء والتوسل
من عوامل صمود الأسرى وثباتهم في الأسر.
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ..
[قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (سورة الفرقان: الآية 77)]
مقدمة
خلال فترة الأسر، وقع الأسرى الإيرانيون تحت أقسى ظروف التعذيب الجسدي والنفسي. نتيجة هذه التعذيبات والعقوبات، أصيبوا بأمراض والتهابات وعاهات، كما استشهد رفاقهم. بشكل عام، كان نظام البعث الحاكم في العراق يمنعهم من أداء واجباتهم وتكاليفهم الشرعية والحداد والعبادة. في ذروة الحاجة والعجز، لم يكن أملهم وسلاحهم الوحيد في مواجهة العدو سوى الدعاء والمناجاة والتوسل بأهل البيت (عليهم السلام). يقول الأسير المحرر سرفراز عبد اللهي:
«كان السلاح الوحيد الذي كان لدينا، والذي حمى كلّ شيء لدينا بفعالية في جميع الأحوال، هو الصلاة، وكنا نستمد العون من الصلاة والأدعية، وكنا نغرق في هذا التوكل لدرجة أنه لم يطرأ أي تزلزل على وجودنا أبداً.»[١]
لا شك أنه إلى جانب الجهود الشعبية وتضحيات المجاهدين والمقاومة والأسر والجهاد في ظروف شديدة الصعوبة من قبل أمّة خرجت لتوّها من ثورة وتتصارع مع عالم الاستكبار، كانت هناك عوامل أخرى ساهمت في انتصار مجاهدي الإسلام وصمود وصبر الأسرى خلال الأسر، وقد كان ذلك بفضل الدعاء والتوسل وعنايات المعصومين (عليهم السلام)، ولهذا يجب أن يُذكر كمعجزة من معجزات التاريخ المعاصر.
فلسفة استجابة دعاء الأسرى
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (سورة الطلاق: الآية 2)
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ...( سورة الطلاق: الآية 3)
كان المجاهدون في جبهات القتال، قبل بدء العمليات، يتوجهون بالمناجاة ليلاً إلى الله طالبين الشهادة. وقد ساعدتهم هذه التضرعات في الظروف القاسية للأسر وعند مشاهدة تعذيب أو مرض رفاقهم في الزنزانة على مقاومة العدو والدفاع عن دينهم ومذهبهم ووطنهم.
أنواع الدعاء في الأسر
تنقسم الأدعية إلى نوعين: فردية وجماعية. الدعاء الفردي العاجل المستجاب ينقسم إلى: فرد لأجل فرد، وفرد لأجل جماعة. الدعاء الجماعي العاجل المستجاب ينقسم إلى: جماعة لأجل فرد، وجماعة لأجل جماعة.
الأدعية الفردية: قبل صلاتي المغرب والعشاء: مناجات الخمسة عشر، دعاء الأربعين من حديث الكساء؛ بعد صلاة الصبح: التعقيبات، زيارة عاشوراء، زيارة أمين الله؛ بين الصلاتين: صلاة الشعبانية؛ بعد صلاة الجماعة: دعاء الوحدة؛ ودعاء شهري رجب وشعبان.
الأدعية الجماعية: دعاء التوسل، دعاء كميل، زيارة عاشوراء، دعاء النَّدْبَة، دعاء ليلة عاشوراء ومناجات أنصار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، التعقيبات المشتركة بين الصلوات اليومية وخاتمتها، دعاء جوشن الكبير ودعاء السحر.
خلال فترة أسر الأسرى الإيرانيين في معسكرات العراق، حدثت حالات عديدة من استجابة الدعاء، نذكر بعضاً مما ورد في ذكريات المحررين:
الدعاء الفردي العاجل المستجاب (فرد لأجل فرد)
الحاج مهدي خسروي:
أصبت بآلام شديدة في الكلية وكنت بحاجة إلى زرع كلية ولم يتمكنوا من تأمينها. فتوسلت بالسيّدة فاطمة (عليها السلام) فشُفيت.[٢]
حميدرضا غرويان:
نتيجة هجوم مفاجئ لقوات البعث، تم اكتشاف حقيبتي التي كانت تحتوي على صحيفتي الصغيرة ورسائل الإمام الخميني (قدس سره) ووثائق ضد نظام البعث، وتزامن يوم محاكمتي وإعدامي المحتمل مع ذكرى ولادة الإمام الرضا (عليه السلام). فتوسلت به فأنقذني الإمام الرضا (عليه السلام).
الدعاء الجماعي العاجل المستجاب (جماعة لأجل فرد)
يوم الأحد 18 اسفند 1365 (8 مارس 1987)، سقط قدرة الله ناظم بقوة خلال مباراة كرة قدم بين فرق من مصحات مختلفة. نتيجة ضربة قوية على رأسه، أصيب بارتجاج في الدماغ وبدأ يحتضر أمام أعين الجميع. نُقل إلى مستوصف المعسكر ثم إلى المستشفى. قضى الشباب الليل كله في التوسل والدعاء. بعد عشرة أيام، عاد قدرة الله إلى المعسكر أمام أنظار أكثر من 750 أسيراً مذهولاً. يصف ناظم ما حدث:
«في زاوية من المستشفى اشتعلت النيران. أعلن مكبر الصوت في المستشفى أن المستشفى بأكمله والمرضى سيصبحون لقمة للنار إذا لم تُسيطر على النيران خلال لحظات. من يستطيع إخمادها سيُقدّم له هدية كبيرة. اقتربت مني امرأة محتشمة ترتدي عباءة سوداء وقالت: "يا قُدرة، يا ولدي! تستطيع إخماد هذه النار. حاول جاهداً. أنا أمك. اذهب وأخمد النار!" ركضت نحو النار وأخمدتها بأي وسيلة ممكنة. عادت إليّ السيّدة ذات العباءة السوداء وقالت لي بسعادة: "أنت حر، هذه هديتك!" واختفت عن الأنظار.»[٣]
يحيى أسدزاده:
طلبت ذات ليلة من الإخوة الجرحى أن يدعوا لي بالشفاء. فصلّوا وناحوا بكل إخلاص حتى الصباح، فشُفيت عيناي.[٤]
مشاكل الأسرى في إقامة مراسم الدعاء والتوسل
لم تكن كتب الأدعية متاحة، ولم تُلبَّ طلبات الحصول عليها. فكانوا يصنعون دفاتر من ورق السجائر وأظرفها وأكياس وأوراق الإسمنت ويكتبون فيها الأدعية التي كان يحفظها الأسرى، وفي النهاية كان يُعَدُّ منتخب من دعاء كميل والتوسل وزيارة عاشوراء ويكون لكل مصحة نسخة منه.[٥]
كانت قوات البعث تأخذ كتب الأدعية والقرآن بحجة أن الأسرى يدعون ليلاً ويصل صوتهم إلى كل مكان، ولم تعِد مفاتيح الجنان ونهج البلاغة. كان الأسرى ينتزعون صفحات من الكتب ويجمعونها ليكونوا مجلداً واحداً من كل كتاب. الصلاة الجماعة والخطب السياسية والمناقشات السياسية والمسرح والأناشيد والدعاء والأذان والعزاء والرياضات القتالية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلها كانت تُعتبر أعمالاً محظورة.[٦]
كان الدعاء محظوراً في الأسر، لكننا كنّا نسيطر على الوضع بواسطة شخصين من حرس المصحة ومرايا مثلثة الشكل. وبمجرد إعلان الحارس أن الوقت شبه مظلم أو غائم، كان الشباب الذين يدعون يجلسون في وضعهم الطبيعي حتى يغادر الجندي البعثي، ثم يستأنفون قراءة الدعاء.[٢]
رهبة البعثيين من مناجاة الأسرى
كانت قوات البعث عادةً تمنع بشدة الطقوس التي تقوّي معنويات الأسرى. كان الأسرى يبتهلون إلى ربهم بشغف وبعيداً عن كل الشؤون الدنيوية، ولا يهتمون بتنبيهات الحراس البعثيين. حتى أن البعثيين أنفسهم كانوا قد أدركوا أهمية العبادة وآثارها البناءة على الأسرى، واتضح لهم أن هذه المناجاة والتوسل بالله كانت تقوّي معنويات الشباب يوماً بعد يوم وتعطي وحدة الأسرى تماسكاً مضاعفاً.[٢]
عند الظهر في معسكر الموصل 2 (المصحة 13) لم يكن يُسمع أي صوت وكان الجميع مشغولين بالمناجاة مع ربهم، وذلك أمام أنظار العدو. مع أن البعثيين منعوا صلاة الجماعة، إلا أن الصلاة بهذه الطريقة في وقت واحد كانت تحمل تأثير صلاة الجماعة. كان البعثيون يمنعون تواجد أكثر من عشرة أشخاص في المصحة، وكان هذا الأمر لصالحنا على الأقل وقت الظهيرة حتى نجذب انتباه العدو بهذه الطريقة في الصلاة والدعاء ونجيب على دعاياتهم بحركة عملية. بعد كل صلاة، عندما يكون الشباب مشغولين بذكر تسبيحات السيدة الزهراء (سلام الله عليها)، كان الجنود البعثيون ينظرون بحيرة ويسألون أحياناً: "ماذا تقولون بعد الصلاة حتى تلعبون بأصابعكم؟" أو عندما كانوا يرون صلاة الشباب تطول، كانوا يقولون: "يا بابا، ما أكثر الصلاة!"[٧]
نتائج الدعاء والتوسل
1. إحياء روح الأمل
يربط الداعي أثناء يأسِه بقوة أزلية لا يعسر عليها شيء، فيشرق نور الأمل في قلبه. في ذروة اليأس، كان الأمل في الحرية والخلاص من أسر الجلادين والحياة الشاقة والتعذيب يتلاشى يومياً. العامل الوحيد الذي كان يمكنه مساعدة الأسرى في تلك الظروف الصعبة هو تعزيز معنوياتهم وروحهم الدينية. كان الأسرى، للنجاة من الغزو الثقافي الشامل للعدو عبر الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، يقوّون معنوياتهم بالمناجاة وتلاوة القرآن ونهج البلاغة ومفاتيح الجنان،[٨] وكانوا يلمّعون قلوبهم بقراءة دعاء التوسل ليالي الثلاثاء ودعاء كميل ليالي الجمعة وزيارة عاشوراء ودعاء النَّدْبَة يوم الجمعة، وعند هجوم الحزن كانوا يلجأون إلى الدعاء والقرآن.
2. الدعوة إلى الطهارة والخير والتقوى
في فترة الأسر، كان الدعاء يجعل الطهارة والعمل الصالح والتحفظ من الذنوب ضمن جدول أعمال الأسرى اليومي.
3. عامل تربوي مهم
كلما كان موضوع الدعاء أهم للإنسان وزادت رغبته في الاستجابة، زاد سعيه لتوفير شروطها، وكان أثر الدعاء في التربية الأخلاقية أكثر وضوحاً؛ لذلك في فترة الأسر، كان الدعاء والمناجاة يؤثران إيجاباً على الآخرين.
4. تعزيز روح الإيثار
يعزز الدعاء روح الإيثار والاهتمام بالآخرين. لذلك يجب أن ندعو أولاً للآخرين ثم لأنفسنا. في الأسر أيضاً ظهر مصداق ملموس لهذا الاهتمام بالآخرين وتقديم مصالحهم.
5. محاربة الاضطرابات الداخلية
يطمئن الدعاء والمناجاة والتوكل بالله الإنسان، ويعطيه طمأنينة. كان العمل بالمستحبات وقراءة الدعاء والذكر يُوجد طمأنينة روحية ونفسية للأسرى ويُزيل الكآبة والحزن.[٨] في الغرف التي كان الدعاء والمراسم الدينية فيها أكثر، كانت الصحة النفسية أفضل.
تأثير عبادات الأسرى على معنويات الجنود البعثيين
كان خشوع الأسرى أثناء الصلاة ومناجاتهم المؤثرة يلامس قلوب كل من يشاهدهم أو يسمعهم. لم يكن المسؤولون عن شؤون الأسرى يأتون بأشخاص متدينين إلى المعسكر، وكلما لاحظوا تأثر جندي أو ضابط بالأسرى الإيرانيين، كانوا يخرجونه من المعسكر أو يرسلونه مباشرة إلى الجبهة. عادةً كان أفراد المعسكر من البعثيين وأهل القتلى أو المعاقين في الحرب ليكون لديهم كراهية للإيرانيين، ويمتنعون عن إحضار جنود وضباط واقعيين إلى المعسكر. كان الحراس والجنود البعثيون يخافون من أداء الفرائض والصلاة في المعسكر، ولم يكن القائد والمسؤول التوجيه السياسي يحبان المتدينين.
سألتُ جندياً بعثياً: لماذا لا تصلّون؟ فقال: في الثكنات، الصلاة تسبب لي مشاكل. لكن في الإجازة، أقضي صلاة شهرين في المنزل.[٦]
يقول أحد الداعين: كنت أقرأ الدعاء في الحديقة وكان الحاج آقا السيد علي أكبر أبوترابي فرد يبكي، فجاء جندي بعثي اسمه صالح. رفع السيد رأسه، فقال الجندي: "جلسة طيبة". قال السيد: "تعال واجلس وابكِ معنا". ذهب الجندي دون أن ينطق بكلمة. مع أن صالح كان يبحث عن ذريعة ليتقرب إلى ضابطه، إلا أن حال السيد أثّر فيه.[٩]
انظر أيضاً
- الصلاة
- الصوم والصيام
فهرس
- ↑ عبداللهي، سرفراز (1384). قنوت در قفس. طهران: نسيم حيات، ص 106.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ بزرگمهرنژاد، فتحعلی (1394). أسير شماره 3918. ياسوج: سي سخت: فرهنك مانا، ص 99.
- ↑ رحمانيان، عبدالمجيد (1382). درهای همیشه باز. طهران: أمل آزادگان، ص 39-40.
- ↑ أصغرینژاد، محمد (1385). یک فروغ از رخ ساقی. قم: زائر، ص 21.
- ↑ زينالعابدين، مسعود (1392). تجمع ممنوع. أذربيجان شرقي: سورة مهر، ص 67.
- ↑ ٦٫٠ ٦٫١ محمدي، عبدالله (1385). عطش و معرفت. أردبيل: باغ أنديشه، ص 139.
- ↑ إسكافي، محمدجواد (1393). سالهای أسرت. المجلد الأول. طهران: علمي و فرهنكي، ج 1، ص 84.
- ↑ ٨٫٠ ٨٫١ . محمدي، عبدالله (1385). عطش و معرفت. أردبيل: باغ أنديشه، ص 139.
- ↑ علیدوست قزوینی، علی (1385). أبر فياض. قم: عرش أنديشه، ص 65.