الاحتجاج في الأسر: الفرق بين النسختين
أنشأ الصفحة ب'خلال الحرب وحتى نهاية الأسر، تجاهل حزب البعث الحاكم في العراق أحكام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بأسرى الحرب في معاملته للأسرى الإيرانيين. ونشر مراسلو المنظمات الدولية، الذين زاروا المعسكرات في ظل إجراءات هذا النظام، تقارير عن معاملة عنيفة للأسرى الإيراني...' |
|||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
خلال الحرب وحتى نهاية الأسر، تجاهل حزب البعث الحاكم في العراق أحكام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بأسرى الحرب في معاملته للأسرى الإيرانيين. ونشر مراسلو المنظمات الدولية، الذين زاروا المعسكرات في ظل إجراءات هذا النظام، تقارير عن معاملة عنيفة للأسرى الإيرانيين، وهو ما أنكره نظام البعث | خلال الحرب وحتى نهاية الأسر، تجاهل حزب البعث الحاكم في العراق أحكام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بأسرى الحرب في معاملته للأسرى الإيرانيين. ونشر مراسلو المنظمات الدولية، الذين زاروا المعسكرات في ظل إجراءات هذا النظام، تقارير عن معاملة عنيفة للأسرى الإيرانيين، وهو ما أنكره نظام البعث<ref>1. زماني، علي أصغر (2003). دراسة وضع أسرى الحرب الإيرانيين في المعسكرات العراقية. طهران: سروش.</ref>. | ||
وعلى النقيض من أحكام الاتفاقيات الدولية التي تنظم معاملة أسرى الحرب، والتي تحظر أي تعذيب أو معاملة مهينة، أفاد الأسرى الإيرانيون المُحرَّرون بتعرضهم لسوء المعاملة وفرض أنواع مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي الشديد والمعاملة المهينة من قبل حراس السجن العراقيين. وفي حين أن الحكومة العراقية نفسها كانت على علم بهذه الحقوق، وكانت الوثيقة بمثابة توجيه أصدرته لقادتها في عام 1981 لإبلاغ القوات التابعة لهم، فإن هذه الوثيقة تشير إلى هذه الحقوق، وبالإضافة إلى ذلك، تبلغ قواتها بالطرق التي يمكن استخدامها للحصول على معلومات من القوات الأسيرة. والمفارقة أنها لا تلتزم إطلاقًا بهذه الحقوق المتعلقة بالأسرى الإيرانيين، بل تنتهكها وتمارس ممارسات تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من الأساليب. تنص هذه التعليمات على أنه: وفقًا لاتفاقية جنيف، لا يحق للعدو طرح أي أسئلة سوى الرقم العسكري للأفراد، والرقم التسلسلي للوحدة المعنية، والمسؤولية، والاسم الحقيقي، وتاريخ الميلاد. ويُضيف: يجب على الأسير أن يعلم أن العدو يستخدم أساليب خاصة للحصول على المعلومات، وهو نفسه يرتكب كل الأفعال المذكورة في تعامله مع الأسرى الإيرانيين. يُعذِّب العدو الأسرى ويُضايقهم ويهددهم للحصول على معلومات منهم؛ ويجب أن يعلم الأسرى أن العدو يعامل بعض الأسرى في البداية بلطف ورفق للحصول على معلومات سرية منهم. ويستجوب العدو كل أسير عدة مرات وبطرق مختلفة | وعلى النقيض من أحكام الاتفاقيات الدولية التي تنظم معاملة أسرى الحرب، والتي تحظر أي تعذيب أو معاملة مهينة، أفاد الأسرى الإيرانيون المُحرَّرون بتعرضهم لسوء المعاملة وفرض أنواع مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي الشديد والمعاملة المهينة من قبل حراس السجن العراقيين. وفي حين أن الحكومة العراقية نفسها كانت على علم بهذه الحقوق، وكانت الوثيقة بمثابة توجيه أصدرته لقادتها في عام 1981 لإبلاغ القوات التابعة لهم، فإن هذه الوثيقة تشير إلى هذه الحقوق، وبالإضافة إلى ذلك، تبلغ قواتها بالطرق التي يمكن استخدامها للحصول على معلومات من القوات الأسيرة. والمفارقة أنها لا تلتزم إطلاقًا بهذه الحقوق المتعلقة بالأسرى الإيرانيين، بل تنتهكها وتمارس ممارسات تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من الأساليب. تنص هذه التعليمات على أنه: وفقًا لاتفاقية جنيف، لا يحق للعدو طرح أي أسئلة سوى الرقم العسكري للأفراد، والرقم التسلسلي للوحدة المعنية، والمسؤولية، والاسم الحقيقي، وتاريخ الميلاد. ويُضيف: يجب على الأسير أن يعلم أن العدو يستخدم أساليب خاصة للحصول على المعلومات، وهو نفسه يرتكب كل الأفعال المذكورة في تعامله مع الأسرى الإيرانيين. يُعذِّب العدو الأسرى ويُضايقهم ويهددهم للحصول على معلومات منهم؛ ويجب أن يعلم الأسرى أن العدو يعامل بعض الأسرى في البداية بلطف ورفق للحصول على معلومات سرية منهم. ويستجوب العدو كل أسير عدة مرات وبطرق مختلفة<ref>داعي، علي (2008). انتهاك حقوق أسرى الحرب الإيرانيين والمسؤولية الدولية للحكومة العراقية. طهران: [https://www.mfpa.ir بيام آزادكان].</ref>. | ||
عادةً ما يقوم العدو بما يلي: | عادةً ما يقوم العدو بما يلي: | ||
| سطر ١٩: | سطر ١٩: | ||
ز) التعذيب الجسدي والحرمان من الطعام والشراب<ref>موقع معهد أبحاث الدفاع المقدس للعلوم والتربية.</ref>. وهذه الأساليب في المعاملة أمثلة صارخة على ما واجهه عامة الأسرى الإيرانيين في العراق. | ز) التعذيب الجسدي والحرمان من الطعام والشراب<ref>موقع معهد أبحاث الدفاع المقدس للعلوم والتربية.</ref>. وهذه الأساليب في المعاملة أمثلة صارخة على ما واجهه عامة الأسرى الإيرانيين في العراق. | ||
في خريف عام 1984، بعد تصاعد الضغوط الدولية بشأن قضية الأسرى، سمح نظام البعث للجنة تابعة للأمم المتحدة بزيارة عدة معسكرات لفحص أوضاع الأسرى عن كثب. وتضمن تقريرها أدلة على العنف والإيذاء النفسي والجسدي الذي تعرَّض له الأسرى الإيرانيون. وأقرّ التقرير بملاحظة كدمات على أجساد الأسرى الإيرانيين، دون استثناء، وأن الضربات التي تلقاها بعضهم ألحقت أضرارًا بالغة ببصرهم وسمعهم. وأكدت اللجنة شهادات الأسرى حول أنواع التعذيب المختلفة، ووثَّقتها في تقريرها السنوي. وقبل ذلك، في 15 ديسمبر 1981، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مذكرة أرسلتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن العراق عذَّب وقتل المدنيين وأسرى الحرب. كما أعلنت الحكومة الإيرانية طوال سنوات الحرب، في رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، عن جانب من انتهاكات العراق لاتفاقية جنيف وسوء المعاملة والعنف ضد أسرى الحرب، ولكن للأسف، لم يبدِ مجلس الأمن الدولي أي رد فعل يليق بمسؤوليته، واكتفى بمطالبة أطراف النزاع بالالتزام بجميع مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي، التي وُضعت للنزاعات المسلحة | في خريف عام 1984، بعد تصاعد الضغوط الدولية بشأن قضية الأسرى، سمح نظام البعث للجنة تابعة للأمم المتحدة بزيارة عدة معسكرات لفحص أوضاع الأسرى عن كثب. وتضمن تقريرها أدلة على العنف والإيذاء النفسي والجسدي الذي تعرَّض له الأسرى الإيرانيون. وأقرّ التقرير بملاحظة كدمات على أجساد الأسرى الإيرانيين، دون استثناء، وأن الضربات التي تلقاها بعضهم ألحقت أضرارًا بالغة ببصرهم وسمعهم. وأكدت اللجنة شهادات الأسرى حول أنواع التعذيب المختلفة، ووثَّقتها في تقريرها السنوي. وقبل ذلك، في 15 ديسمبر 1981، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مذكرة أرسلتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن العراق عذَّب وقتل المدنيين وأسرى الحرب. كما أعلنت الحكومة الإيرانية طوال سنوات الحرب، في رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، عن جانب من انتهاكات العراق لاتفاقية جنيف وسوء المعاملة والعنف ضد أسرى الحرب، ولكن للأسف، لم يبدِ مجلس الأمن الدولي أي رد فعل يليق بمسؤوليته، واكتفى بمطالبة أطراف النزاع بالالتزام بجميع مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي، التي وُضعت للنزاعات المسلحة<ref name=":0">درويشي، فرهاد (2012). الحرب الإيرانية العراقية: أسئلة وأجوبة. طهران: مركز دراسات وأبحاث الحرب.</ref>. | ||
أجبرت هذه الظروف والسلوكيات اللاإنسانية والوحشية للعراقيين الأسرى الإيرانيين عمومًا على الرد والاحتجاج فرديًا وجماعيًا في مواقف مختلفة. | أجبرت هذه الظروف والسلوكيات اللاإنسانية والوحشية للعراقيين الأسرى الإيرانيين عمومًا على الرد والاحتجاج فرديًا وجماعيًا في مواقف مختلفة. | ||
| سطر ٣٩: | سطر ٣٩: | ||
== الوضع الصحي للأسرى == | == الوضع الصحي للأسرى == | ||
لم يبدِ العراقيون أي اهتمام مسؤول من الناحية الصحية تجاه الأسرى الإيرانيين، ففقد العديد من الأسرى الجرحى حياتهم بسبب أمراض بسيطة وجروح طفيفة، أو تم بتر أيديهم وأرجلهم بسهولة من أجسادهم بسبب الإصابة التي تعرّضوا لها: "دخلنا المعسكر... حيث كانوا في مستشفياته يبترون الأذرع المكسورة ويقطعون الأرجل المجروحة. لم يكن أحد يبالي بعلاج الأسير... وعندما كان الجرح البسيط يلتهب بسبب إهمال العراقيين في العناية به، كان يتعمق ويتسع... وكانوا يقولون بنظرة شفقة زائفة! لا مفر من بتر العضو! هذا غرغرينا وقد يؤدي إلى وفاة الأسير" | لم يبدِ العراقيون أي اهتمام مسؤول من الناحية الصحية تجاه الأسرى الإيرانيين، ففقد العديد من الأسرى الجرحى حياتهم بسبب أمراض بسيطة وجروح طفيفة، أو تم بتر أيديهم وأرجلهم بسهولة من أجسادهم بسبب الإصابة التي تعرّضوا لها: "دخلنا المعسكر... حيث كانوا في مستشفياته يبترون الأذرع المكسورة ويقطعون الأرجل المجروحة. لم يكن أحد يبالي بعلاج الأسير... وعندما كان الجرح البسيط يلتهب بسبب إهمال العراقيين في العناية به، كان يتعمق ويتسع... وكانوا يقولون بنظرة شفقة زائفة! لا مفر من بتر العضو! هذا غرغرينا وقد يؤدي إلى وفاة الأسير"<ref name=":0" />. | ||
== تعذيب الأسرى وإيذاؤهم == | == تعذيب الأسرى وإيذاؤهم == | ||
كان التعذيب أمرًا معتادًا في معسكرات الأسرى، لدرجة أن أي ذريعة تافهة كانت تكفي للعراقيين لتعذيب الأسرى الإيرانيين. وكان أحد أساليب التعذيب في المعسكرات العراقية هو "قانون خفض الرأس"، حيث كان يُلزم الأسرى الإيرانيون بأن يكون رؤوسهم دائمًا منخفضة أمام العراقيين، وإذا لم يُطاع هذا القانون، كان ينتظرهم تعذيب أشد. وكان العراقيون يتركون الأسرى الإيرانيين في عطش وجوع لأيام متتالية لأتفه الذرائع، ثم يعذّبوهم بالهراوات والكابلات، لدرجة أن أحد الأسرى فقد حياته تحت وطأة تعذيبهم، وذلك لمجرد تذكيره بميثاق جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب | كان التعذيب أمرًا معتادًا في معسكرات الأسرى، لدرجة أن أي ذريعة تافهة كانت تكفي للعراقيين لتعذيب الأسرى الإيرانيين. وكان أحد أساليب التعذيب في المعسكرات العراقية هو "قانون خفض الرأس"، حيث كان يُلزم الأسرى الإيرانيون بأن يكون رؤوسهم دائمًا منخفضة أمام العراقيين، وإذا لم يُطاع هذا القانون، كان ينتظرهم تعذيب أشد. وكان العراقيون يتركون الأسرى الإيرانيين في عطش وجوع لأيام متتالية لأتفه الذرائع، ثم يعذّبوهم بالهراوات والكابلات، لدرجة أن أحد الأسرى فقد حياته تحت وطأة تعذيبهم، وذلك لمجرد تذكيره بميثاق جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب<ref name=":0" />. | ||
== وضع المهاجع (الأماكن السكنية) == | == وضع المهاجع (الأماكن السكنية) == | ||
كان العراقيون يسكنون الأسرى الإيرانيين في أسوأ الأماكن، وكانوا يوزعونهم على المهاجع بطريقة تجعلهم يتعرّضون لأقسى العذاب والتعذيب النفسي والجسدي. يصف أحد المحررين، الذي كان أسيرًا في معسكر الرمادي 10 لمدة 5 سنوات، الأوضاع المعيشية والصحية قائلًا: "لم نكن نتمتع بأدنى المرافق. كان مكان إقامتنا صغيرًا جدًا بالنسبة لعدد النزلاء. ولم يكن في مهجعنا حمام أو مرحاض. أحيانًا، بسبب انتهاء وقت الاستراحة، لم يكن بوسع البعض أو لم يتسنَّ لهم الوقت للذهاب إلى المرحاض. كانت جودة الطعام سيئة جدًا، ومن حيث الكمية كانت متدنية للغاية. وكان الكثير من الأسرى لا يستطيعون الاستحمام بشكل منتظم وطبيعي، وكان عشرة أسرى أحيانًا يحلقون وجوههم بشفرة حلاقة واحدة. وكانت الأدوية والمرافق الصحية الأخرى قليلة جدًا وبدائية. لدرجة أنني في أحد الأيام، بسبب احتجاجي على هذا الوضع لدى مسؤولي الصليب الأحمر، استدعاني الحارس وعاقبني. ولهذا السبب، في يوم ذهبت فيه إلى العيادة لخلع سني المتسوس، خلع الطبيب سنًا سليمًا أيضًا، وبقي جذره في لثتي وعذّبني حتى نهاية أسرِي. ومن الناحية التعليمية، لم يكونوا لا يساعدون الأسرى في التعليم فحسب، بل كانوا يمارسون أقصى درجات التشدد في استخدام الحد الأدنى من الإمكانات التعليمية التي كان الصليب الأحمر يوفرها للأسرى الإيرانيين (كتاب، ورق، قلم)" | كان العراقيون يسكنون الأسرى الإيرانيين في أسوأ الأماكن، وكانوا يوزعونهم على المهاجع بطريقة تجعلهم يتعرّضون لأقسى العذاب والتعذيب النفسي والجسدي. يصف أحد المحررين، الذي كان أسيرًا في معسكر الرمادي 10 لمدة 5 سنوات، الأوضاع المعيشية والصحية قائلًا: "لم نكن نتمتع بأدنى المرافق. كان مكان إقامتنا صغيرًا جدًا بالنسبة لعدد النزلاء. ولم يكن في مهجعنا حمام أو مرحاض. أحيانًا، بسبب انتهاء وقت الاستراحة، لم يكن بوسع البعض أو لم يتسنَّ لهم الوقت للذهاب إلى المرحاض. كانت جودة الطعام سيئة جدًا، ومن حيث الكمية كانت متدنية للغاية. وكان الكثير من الأسرى لا يستطيعون الاستحمام بشكل منتظم وطبيعي، وكان عشرة أسرى أحيانًا يحلقون وجوههم بشفرة حلاقة واحدة. وكانت الأدوية والمرافق الصحية الأخرى قليلة جدًا وبدائية. لدرجة أنني في أحد الأيام، بسبب احتجاجي على هذا الوضع لدى مسؤولي الصليب الأحمر، استدعاني الحارس وعاقبني. ولهذا السبب، في يوم ذهبت فيه إلى العيادة لخلع سني المتسوس، خلع الطبيب سنًا سليمًا أيضًا، وبقي جذره في لثتي وعذّبني حتى نهاية أسرِي. ومن الناحية التعليمية، لم يكونوا لا يساعدون الأسرى في التعليم فحسب، بل كانوا يمارسون أقصى درجات التشدد في استخدام الحد الأدنى من الإمكانات التعليمية التي كان الصليب الأحمر يوفرها للأسرى الإيرانيين (كتاب، ورق، قلم)"<ref name=":0" />. | ||
== الاحتجاج على وضع الطعام والملابس والظروف القاسية والمرهقة == | == الاحتجاج على وضع الطعام والملابس والظروف القاسية والمرهقة == | ||
| سطر ٩٥: | سطر ٩٥: | ||
== فهرس == | == فهرس == | ||
<references /> | |||
== للمزيد من القراءة == | |||
كالة أنباء إسنا. | |||
شروين، هوشنگ (1995). المسافر، السماء، السلسلة. ذكريات طيار حر، طهران: القوات البرية للحرس الثوري الإيراني. | |||
يوسف زاده، أحمد (1993). هؤلاء الأشخاص الثلاثة والعشرون. طهران: سورة مهر. | |||
'''مجيد فصيحي هرندي''' | |||
مراجعة ١٧:٥٥، ٢٧ يناير ٢٠٢٦
خلال الحرب وحتى نهاية الأسر، تجاهل حزب البعث الحاكم في العراق أحكام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بأسرى الحرب في معاملته للأسرى الإيرانيين. ونشر مراسلو المنظمات الدولية، الذين زاروا المعسكرات في ظل إجراءات هذا النظام، تقارير عن معاملة عنيفة للأسرى الإيرانيين، وهو ما أنكره نظام البعث[١].
وعلى النقيض من أحكام الاتفاقيات الدولية التي تنظم معاملة أسرى الحرب، والتي تحظر أي تعذيب أو معاملة مهينة، أفاد الأسرى الإيرانيون المُحرَّرون بتعرضهم لسوء المعاملة وفرض أنواع مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي الشديد والمعاملة المهينة من قبل حراس السجن العراقيين. وفي حين أن الحكومة العراقية نفسها كانت على علم بهذه الحقوق، وكانت الوثيقة بمثابة توجيه أصدرته لقادتها في عام 1981 لإبلاغ القوات التابعة لهم، فإن هذه الوثيقة تشير إلى هذه الحقوق، وبالإضافة إلى ذلك، تبلغ قواتها بالطرق التي يمكن استخدامها للحصول على معلومات من القوات الأسيرة. والمفارقة أنها لا تلتزم إطلاقًا بهذه الحقوق المتعلقة بالأسرى الإيرانيين، بل تنتهكها وتمارس ممارسات تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من الأساليب. تنص هذه التعليمات على أنه: وفقًا لاتفاقية جنيف، لا يحق للعدو طرح أي أسئلة سوى الرقم العسكري للأفراد، والرقم التسلسلي للوحدة المعنية، والمسؤولية، والاسم الحقيقي، وتاريخ الميلاد. ويُضيف: يجب على الأسير أن يعلم أن العدو يستخدم أساليب خاصة للحصول على المعلومات، وهو نفسه يرتكب كل الأفعال المذكورة في تعامله مع الأسرى الإيرانيين. يُعذِّب العدو الأسرى ويُضايقهم ويهددهم للحصول على معلومات منهم؛ ويجب أن يعلم الأسرى أن العدو يعامل بعض الأسرى في البداية بلطف ورفق للحصول على معلومات سرية منهم. ويستجوب العدو كل أسير عدة مرات وبطرق مختلفة[٢].
عادةً ما يقوم العدو بما يلي:
أ) حبس الأسير في غرفة ضيقة مظلمة بلا نوافذ؛
ب) تعصيب عينيه وتهديده بالإعدام؛
ج) إبقاء الأسير عاريًا في البرد ليلًا حتى الصباح أو وضعه في مكان تكثر فيه الحشرات؛
د) إرهاقه ومضايقته ومنعه من النوم؛
ذ) شتمه وسبّه والاستهزاء به؛
ر) إبلاغه أخباراً كاذبة عن الوضع في الجبهة والوضع السياسي داخل بلاده؛
ز) التعذيب الجسدي والحرمان من الطعام والشراب[٣]. وهذه الأساليب في المعاملة أمثلة صارخة على ما واجهه عامة الأسرى الإيرانيين في العراق.
في خريف عام 1984، بعد تصاعد الضغوط الدولية بشأن قضية الأسرى، سمح نظام البعث للجنة تابعة للأمم المتحدة بزيارة عدة معسكرات لفحص أوضاع الأسرى عن كثب. وتضمن تقريرها أدلة على العنف والإيذاء النفسي والجسدي الذي تعرَّض له الأسرى الإيرانيون. وأقرّ التقرير بملاحظة كدمات على أجساد الأسرى الإيرانيين، دون استثناء، وأن الضربات التي تلقاها بعضهم ألحقت أضرارًا بالغة ببصرهم وسمعهم. وأكدت اللجنة شهادات الأسرى حول أنواع التعذيب المختلفة، ووثَّقتها في تقريرها السنوي. وقبل ذلك، في 15 ديسمبر 1981، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مذكرة أرسلتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن العراق عذَّب وقتل المدنيين وأسرى الحرب. كما أعلنت الحكومة الإيرانية طوال سنوات الحرب، في رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، عن جانب من انتهاكات العراق لاتفاقية جنيف وسوء المعاملة والعنف ضد أسرى الحرب، ولكن للأسف، لم يبدِ مجلس الأمن الدولي أي رد فعل يليق بمسؤوليته، واكتفى بمطالبة أطراف النزاع بالالتزام بجميع مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي، التي وُضعت للنزاعات المسلحة[٤].
أجبرت هذه الظروف والسلوكيات اللاإنسانية والوحشية للعراقيين الأسرى الإيرانيين عمومًا على الرد والاحتجاج فرديًا وجماعيًا في مواقف مختلفة.
أساليب الاحتجاج
ولمواجهة العراقيين، عبَّر الأسرى الإيرانيون عن احتجاجهم بطرق مختلفة، شملت الاعتصامات والمسيرات الجماعية وهدير "الله أكبر" والإضراب عن الطعام والمقاومة السلمية، وفي النهاية التمرد، لإجبار العدو على تغيير سلوكه. وبناءً على ذلك، أدى التشاور والتنسيق بين صانعي القرار، بدعم الأسرى الآخرين، والتأهب المناسب للظروف، إلى اللجوء إلى شكل أو أكثر من أشكال الاحتجاج. وبالطبع، كانت الأولوية الرئيسية في النضال والمقاومة هي عنصري الصبر والمقاومة السلمية، وأحيانًا السرية. وقد أدرك الأسرى من خلال تجربتهم أن أفضل طريقة لمجابهة أنشطة العدو هي زيادة الأمل في المستقبل، وتعزيز روح المقاومة وخلق الدوافع الإيجابية، وتقوية الشعور بالإيثار، والإيمان بالله. كان الأسرى الإيرانيون في المعسكرات يستغلون كل فرصة لخلق أجواء من البهجة والأمل، بل وكانوا يرون في تحويل المحنة إلى منحة أفضل أشكال النضال في مواجهة أجواء القمع والخوف التي أوجدها العدو. لقد حوّلوا الأنشطة العادية مثل الرياضة والدراسة والأعمال اليومية إلى فرص لتعزيز روح المقاومة في وجه ظروف كان كل منها قادرًا على خلق اليأس والقنوط والاكتئاب، وبالتالي تدمير المعنويات. وأخيرًا، إذا وصلت الظروف إلى حد لا يُطاق، أو وجد الأسرى أنفسهم في حالة استنفاد عملي، واقتنعوا بعدم وجود طريق آخر سوى التعبير عن الاحتجاج علنًا، لجأوا إلى هذه الطريقة العنيفة.
أهمية الاحتجاج
إن الأسر والسجن، في حد ذاتهما، يخلقان ظروفًا قاسية لا تُحتمل للأسير، وتزداد هذه الظروف قسوة عندما لا يتردد السجان في اتخاذ أي إجراء صارم ضده. ومع أن تقبّل ظروف الأسر يرفع سقف توقعات الفرد من سلوك العدو وتحمّله له، وأن توقعات السلوك السيء للعدو تزيد من الاستعداد للصبر والثبات، إلا أنه في بعض الأحيان، وفي المواقف الصعبة، لا يبقى لوقف السلوك القاسي للعدو من سبيل سوى التعبير عن الاحتجاج. أو عندما يستهدف العدو كرامة الأسرى ومعتقداتهم، ويسعى، من خلال إنزال شتى ألوان التعذيب الجسدي والنفسي الشاق، إلى تدمير شخصيتهم وتغيير هويتهم الاعتقادية، فلا يبقى خيار سوى الاحتجاج. وهنا يمكن منح الأسرى الحق في الدفاع عن سلامتهم الجسدية والنفسية وكيانهم الشخصي، ومواجهة الإهانة من قبل العدو، وإدراك أهمية الاحتجاج في ردع العدو وفعاليته، والخوض في شتى أنواع الاحتجاج.
أنواع الاحتجاجات
ومن خلال استعراض ذكريات المحرَّرين، وبالنظر إلى الظروف التي كانت سائدة في السجون ومراكز الاعتقال والمعسكرات، نجد أسبابًا عديدة لاندلاع أنواع مختلفة من الاحتجاجات، يمكن تصنيف بعضها على النحو التالي:
المقاومة الاحتجاجية أثناء الأسر
بدافع من المحفزات الاعتقادية والدينية والمذهبية والغيرة الوطنية القوية، كان المقاتلون الإيرانيون يُقاتلون العدو ويقاومونه احتجاجيًا حتى آخر لحظة ممكنة، وكانوا يستسلمون للأسر فقط حين لا مفر من ذلك الوضع. ووُجدت حالات قاوم فيها بعض الأفراد ورفضوا الاستسلام، ما أدى أحيانًا إلى استشهادهم.
الاحتجاج على وضع السجون وسلوك السجّانين
اتخذت معظم هذه الاحتجاجات شكل شكاوى شفهية إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي كانت تزور المعسكرات بين الحين والآخر، أو نادرًا ما كانت تُطرح على كبار قادة المعسكر، وغالبًا ما كانت تتجاهلها السلطات العراقية.
الوضع الصحي للأسرى
لم يبدِ العراقيون أي اهتمام مسؤول من الناحية الصحية تجاه الأسرى الإيرانيين، ففقد العديد من الأسرى الجرحى حياتهم بسبب أمراض بسيطة وجروح طفيفة، أو تم بتر أيديهم وأرجلهم بسهولة من أجسادهم بسبب الإصابة التي تعرّضوا لها: "دخلنا المعسكر... حيث كانوا في مستشفياته يبترون الأذرع المكسورة ويقطعون الأرجل المجروحة. لم يكن أحد يبالي بعلاج الأسير... وعندما كان الجرح البسيط يلتهب بسبب إهمال العراقيين في العناية به، كان يتعمق ويتسع... وكانوا يقولون بنظرة شفقة زائفة! لا مفر من بتر العضو! هذا غرغرينا وقد يؤدي إلى وفاة الأسير"[٤].
تعذيب الأسرى وإيذاؤهم
كان التعذيب أمرًا معتادًا في معسكرات الأسرى، لدرجة أن أي ذريعة تافهة كانت تكفي للعراقيين لتعذيب الأسرى الإيرانيين. وكان أحد أساليب التعذيب في المعسكرات العراقية هو "قانون خفض الرأس"، حيث كان يُلزم الأسرى الإيرانيون بأن يكون رؤوسهم دائمًا منخفضة أمام العراقيين، وإذا لم يُطاع هذا القانون، كان ينتظرهم تعذيب أشد. وكان العراقيون يتركون الأسرى الإيرانيين في عطش وجوع لأيام متتالية لأتفه الذرائع، ثم يعذّبوهم بالهراوات والكابلات، لدرجة أن أحد الأسرى فقد حياته تحت وطأة تعذيبهم، وذلك لمجرد تذكيره بميثاق جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب[٤].
وضع المهاجع (الأماكن السكنية)
كان العراقيون يسكنون الأسرى الإيرانيين في أسوأ الأماكن، وكانوا يوزعونهم على المهاجع بطريقة تجعلهم يتعرّضون لأقسى العذاب والتعذيب النفسي والجسدي. يصف أحد المحررين، الذي كان أسيرًا في معسكر الرمادي 10 لمدة 5 سنوات، الأوضاع المعيشية والصحية قائلًا: "لم نكن نتمتع بأدنى المرافق. كان مكان إقامتنا صغيرًا جدًا بالنسبة لعدد النزلاء. ولم يكن في مهجعنا حمام أو مرحاض. أحيانًا، بسبب انتهاء وقت الاستراحة، لم يكن بوسع البعض أو لم يتسنَّ لهم الوقت للذهاب إلى المرحاض. كانت جودة الطعام سيئة جدًا، ومن حيث الكمية كانت متدنية للغاية. وكان الكثير من الأسرى لا يستطيعون الاستحمام بشكل منتظم وطبيعي، وكان عشرة أسرى أحيانًا يحلقون وجوههم بشفرة حلاقة واحدة. وكانت الأدوية والمرافق الصحية الأخرى قليلة جدًا وبدائية. لدرجة أنني في أحد الأيام، بسبب احتجاجي على هذا الوضع لدى مسؤولي الصليب الأحمر، استدعاني الحارس وعاقبني. ولهذا السبب، في يوم ذهبت فيه إلى العيادة لخلع سني المتسوس، خلع الطبيب سنًا سليمًا أيضًا، وبقي جذره في لثتي وعذّبني حتى نهاية أسرِي. ومن الناحية التعليمية، لم يكونوا لا يساعدون الأسرى في التعليم فحسب، بل كانوا يمارسون أقصى درجات التشدد في استخدام الحد الأدنى من الإمكانات التعليمية التي كان الصليب الأحمر يوفرها للأسرى الإيرانيين (كتاب، ورق، قلم)"[٤].
الاحتجاج على وضع الطعام والملابس والظروف القاسية والمرهقة
في أحد الأيام، جاء مسؤولون عراقيون لزيارة المعسكر. وقف أحد الأسرى واعترض على وضع طعام الأسرى وملابسهم وأحذيتهم. بعد أن غادر المسؤولون العراقيون، جاء الحراس إليه. وضربوه ضربًا مبرحًا، حتى أُغْمِيَ عليه من ضربات الكابل[٥]. في الأيام الأخيرة من نوفمبر 1982، طرح البعثيون خطة لفصل أسرى الجيش عن عناصر البسيج، فقوبلت هذه الخطة بمعارضة الأسرى واحتجاجهم. وأدى امتناع الأسرى عن تنفيذ خطة الفصل إلى توتر بينهم وبين البعثيين. وواصل الأسرى احتجاجهم تحت حصار شديد لمدة أسبوع، وفي اليوم الثامن، رغم الضعف الناتج عن الجوع والعطش المرهق، شرعوا في الخروج من المهاجع، وأمام تحذير الحراس لهم بالعودة إلى المهاجع، أعلنوا شرط عودتهم هو إطلاق سراح الكبار، وأقاموا صلاة الجماعة في ساحة المعسكر. في 8 ديسمبر 1982، ثار الأسرى على وحشية وهمجية البعثيين؛ فاضطر البعثيون لإدخال قواتهم الخاصة لسحق هذا التمرد. في ذلك اليوم، بينما كان الأسرى الإيرانيون محاصرين لما يقرب من ثمانية أيام في معسكر الموصل 2 تحت حصار شديد وتعذيب ظالم ولاإنساني من حراس السجون البعثيين بالحرمان من الماء والطعام، ثاروا. وخلال القمع الوحشي لهذا التمرد من قبل قوات البعث، استشهد أسيران أعزلان، محمد سوري وأمير باميري زاده، مظلومين، وأصيب أكثر من 300 آخرين[٦].
الاحتجاج على التعذيب النفسي والروحي
كان إجبار الأسرى الإيرانيين على مشاهدة الأفلام المبتذلة والاستماع إلى الموسيقى التي تُبث لساعات متواصلة يوميًا أسلوبًا آخر من أساليب تعذيب العراقيين، وإذا خفض أحد رأسه أثناء عرض هذه الأفلام أو امتنع عن النظر إلى الفيلم، كان يتعرض للتعذيب والإيذاء من قبل الجنود العراقيين[٧]. وكان رد فعل الأسرى الاحتجاجي على هذه الإجراءات سلبيًا في بعض الأحيان؛ أي أنهم لم يظهروا أي رغبة في مشاهدة الفيلم رغم الضرب، وكانوا يشغلون أنفسهم بأعمال أخرى كالتحدث مع بعضهم البعض أو إثارة الضجة، لدرجة أن ذلك كان يثير غضب العراقيين ويجبرهم على إنهاء عملهم بضرب الأسرى. في بعض الأحيان، كان الأسرى يلجأون إلى الاحتجاج السري الذي كان في الغالب من نوع الإضرار بالأجهزة؛ مثل سكب الماء داخل التلفاز أو إدخال إبرة في أسلاك مكبر الصوت وإحداث تماس وتعطيل عمله. وفي حالات أخرى، كانت الاحتجاجات تتم بهتاف الشعارات وإثارة الضجيج وإرباك الأجواء... وعندما كان الجنود يرون أن الشباب ينظرون إلى الكرسي المعدزي وجهاز الفيديو بدلاً من مشاهدة الفيلم، كانوا ينقضون على الأسرى ويختارون بعضهم لتعذيبهم بشكل خاص... وبعد تكرار هذا الأمر عدة مرات، كفَّ العراقيون عن عرض الفيلم[٨].
وكان أحد أساليب التعذيب النفسي، الذي كان حراس السجن يستخدمونه لإذلال الأسرى، هو إجبارهم على السجود أثناء الاصطفاف عند العدّ وما إلى ذلك، وكان هذا الوضع ثقيلًا جدًا عليهم. وكان بعض الأسرى، احتجاجًا على هذا الوضع، لا يمتثلون لأمر العراقيين ويواجهون الحراس بطريقة احتجاجية[٩].
الاحتجاج على الدعاية الكاذبة
قبل أن يأتي الصحفيون إلى معسكر عنبر وينشروا دعاية لصالح نظام صدام، كان الأسرى قد اطّلعوا على الأمر. في ذلك اليوم، الرابع من فبراير 1983، بمجرد رؤية الصحفيين من الخارج، تقرر أنه إذا أتوا إلى "قطاع 2"، فسيذهب الجميع احتجاجًا نحو المهاجع... بمجرد دخول الصحفيين، اندفع الأسرى نحو المهجع. طالب العراقيون الأسرى، أولاً بالإلحاح ثم بالتهديد، بالخروج من المهجع، لكن الأسرى المحتجين لم يولوًا أي اهتمام لطلبهم. واضطُر العراقيون إلى جمع عدد قليل من الأسرى من أجزاء أخرى من المعسكر ممن كانوا يتعاونون معهم لأي سبب كان، وبدأوا بالرقص والاحتفال، مخالفين رغبة غالبية الأسرى. وردًا على هذا الإجراء، هاجم الأسرى الآخرون، احتجاجًا، الصحفيين والجنود وحتى نائب القائد العراقي الموجود في الداخل، ودمروا معدات الصحفيين وسيارتهم، لكنهم لم يصيبوا أحدًا بأذى. دفع هذا التصرف من الأسرى القائد إلى إطلاق عدة طلقات تحذيرية من مسدسه، فرجع الأسرى مذعورين نحو المهاجع، وغادر الجنود العراقيون المعسكر، وشكلوا خط ناري وأطلقوا النار داخل المعسكر. خلال هذا الاشتباك، أُصيب أحد الأسرى في عينه اليمنى برصاصة. بعد هذه الحادثة، أغلقوا أبواب المهاجع، وأبعدوا كل المواد الغذائية عن متناول اليد، وهددوا بعدم وجود طعام لمدة شهر. وردًا على هذا الإجراء، أضربت الأخوات الأسيرات أيضًا تضامنًا مع الإخوة عن الطعام، واشترك المعسكر بأكمله في الإضراب. ووصل الأمر إلى حد توسل العراقيين لكسر الإضراب في المعسكر، واضطروا في النهاية إلى الاستسلام[١٠].
في أحد الأيام، دخلت صحفية أجنبية، لم تكن ترتدي حجابًا محتشمًا، إلى المعسكر للتصوير. فهتف الأسرى "الله أكبر" احتجاجًا وألقوا نعالهم نحو قوات البعث. وبسبب هذا التحرك منا، عوقبنا لمدة 5 أيام ولم يُعطونا ماءً ولا طعامًا. ونقلوا 50 منا من معسكر الرمادي إلى معسكر الموصل[١١].
كان العراقيون قلقين حقًا من أن الجمهورية الإسلامية الإسلامية، كما قالوا، تستخدم أسرىها لأغراض دعائية؛
فمثلاً، كانوا يحضرونهم إلى صلاة الجمعة ليكونوا بين الناس بحرية أو لأعمال أخرى؛ لذلك أرادوا الرد على هذه القضية بطريقة ما. لهذا الغرض، شكلوا معسكرًا في الرمادي 2، وكان الشباب يسمونه "بين القفصين". كان هذا المعسكر مكونًا من شباب دون الثامنة عشرة. أعلن نائب قائد المعسكر العراقي: يجب أن تستعدوا لاستعراض عسكري؛ ثم سأل: هل تجيدون الاستعراض؟ أجاب الشباب، الذين كانوا على علم بخطة العراقيين، جميعهم معًا: نحن قوات شعبية ولا نعرف شيئًا عن هذه الأمور. قال نائب المعسكر: سنعلمكم. ومنذ ذلك اليوم، ولأكثر من شهر، سادت ظروف صعبة على المعسكر. كل صباح، كان هناك تدريب على "يسار-يسار" و"يمين-يمين" – والذي يسمى في العربية "إلى اليمين دور" و"إلى اليسار دور" – وغيرها من الأمور اللازمة، إن جاز التعبير. كان الضابط يصدر الأمر بالعربية: "إلى اليمين يمين"، لكن الأسرى، لإثارة الفوضى، كان بعضهم يذهب إلى اليسار، وبعضهم إلى اليمين، والباقي يعودون إلى الخلف. باختصار، تكرر هذا المشهد عدة مرات، وكان تصرف الشباب أسوأ في كل مرة. أخيرًا، أدرك العراقيون أن الأسرى يفعلون ذلك عمدًا؛ لذلك كانوا يجلدون كل من يخطئ. لكن الشباب لم يرضخوا. وأخيرًا، بعد تلك الأيام العشر الصعبة والمملة، أعلن قائد المعسكر العراقي أن ضابطًا رفيع المستوى سيأتي إلى المعسكر غدًا للاستعراض، وإذا أدّيتم عملكم جيدًا، فستُكافَئون. وكان الأسرى يعلمون أنه في حال الموافقة على التدريب، فغالبًا ما سيتوجب عليهم القيام باستعراض في بغداد، فقرروا أن يجعلوا الوضع يبدو مضطربًا. في اليوم التالي، جاء الضابط الرفيع، ونظّم الأسير في صفوف مرتبة، وبأمر ذلك الضابط، بدأ الاستعراض التجريبي. كانت أرض المعسكر ترابية تمامًا. قدّم الأسرى عرضًا للمشي بأكثر الطرق اضطرابًا ممكنة، وعرضوا أسوأ صورة ممكنة أمام الضابط العراقي. ملأ الشباب، كالفُرْسان الذين يعدون في مضمار، أرجاء المعسكر بالغبار؛ لدرجة أن الضابط العراقي كان قد غطى فمه وأنفه واختبأ جانبًا. وكان الشباء يضربون الأرض بأقدامهم بحركات غير منسجمة، وكان الجميع يضحكون على هذا المشهد. بعد أن يئس الضابط العراقي تمامًا، أمر بضرب الشباب وإرسالهم إلى الغرف. في هذا الوقت، عبّر الأسرى، الذين غضبوا من كل هذا الظلم والتعذيب، عن احتجاجهم بهتاف "الله أكبر"، ومنذ ذلك اليوم، شرعوا في إضراب عن الطعام. وأخيرًا، بعد مقاومة صبورة وتحمّل تعذيب مؤلم وخطير، تمكنوا من الاحتفاظ بالمبادرة في المعسكر لعدة أشهر، وصرفوا أنظار العراقيين عن القيام بمثل هذه الإجراءات[١٢].
خلال فترة أسرنا في العراق، كانوا يحضرون بين الحين والآخر أشخاصًا بلباس رجال الدين إلى المعسكرات، عسى أن يتمكنوا، باستخدام خطاباتهم، من إحداث خلل ولو طفيف في معتقدات الأسرى. هذه المرة أيضًا، أحضر العراقيون رجلي دين مزيفين معهم إلى المهجع، وبدآ يتحدثان الواحد تلو الآخر. وكانت الخطب هي نفس الأشياء التي يقولونها دائمًا، وكنا قد حفظناها جميعًا تقريبًا: مثلاً، أنتم قد ضللتم، أنتم قد خرجتم من الدين، إلخ. بعد انتهاء خطاباتهما، قالا: الآن إذا كان لديكم سؤال فاسألوا حتى نُجيب. نهض أحد الأسرى وقال: لدي سؤال شرعي. ما حكم السارق الذي يدخل بيتًا؟ فأجابا: أقل عقوبة هي قطع أصابعه أو يده. قال أخونا الأسير: نحن أيضًا نقاتل لعقاب السارق الذي دخل بلدنا، وهذا ليس فقط ليس خروجًا عن الدين، بل هو وفق الشرع! عند هذه النقطة، أدرك الضباط البعثيون التبرير السياسي، لكن بعد فوات الأوان. أخرجوا رجلي الدين العراقيين المزيفين مذلولين مهانين من المعسكر[١٣].
الاحتجاج على منع وتقييد إقامة المراسم والطقوس الدينية والمذهبية
في أول محرم من الأسر، في نوفمبر 1980، في معسكر الرمادي 1، شرع الأسرى في إقامة مراسم العزاء. ومع تصاعد حماس العزاء، لاحظ حراس السجن العراقيون ذلك وحذروا: لا يجب أن تستمروا في العزاء وإلا سنتعامل معكم بقسوة. احتج الأسرى عليهم قائلين إنه وفق القوانين الدولية، يحق للأسير إقامة المراسم في إطار معتقداته الدينية، لكن العراقيين لم يقبلوا ذلك وقالوا: لا يحق لأحد هنا القيام بعمل جماعي، وهذه الأعمال غير مسموحة. وبعد ذلك، قام الحراس، بأمر القائد العراقي للمعسكر، بتعذيب الأسرى وضربهم وإهانتهم.
كانت إقامة أي مراسم دينية ممنوعة. في محرم 1982، في معسكر عنبر، كان العراقيون قد حذروا من أنهم سيتعاملون بقسوة في حال إقامة مراسم العزاء. حلّ محرم، وكان الأسرى يقيمون العزاء كل ليلة بهدوء شديد وسرية، وبالفعل، قاموا بواجبهم، وهو إقامة مراسم العزاء. حتى أن صوت همسة "حسين حسين" سُمع أعلى من أحد المهاجع في ليلة تاسوعاء. في تلك الليلة، انقض البعثيون على الأسرى بالكابلات والهراوات وما إلى ذلك. وبدأت الأخوات المحررات أيضًا، في الوقت نفسه، بترديد النواح. بعد أن قام العراقيون بوحشية وقسوة بضرب الأسرى، خاصة الجرحى والمعاقين، أمام أنظار الأسرى الآخرين، فاض صبر الأسرى الآخرين، وقاموا بتحرك مفاجئ واحتجاجي، وبدأوا بهز قضبان السجن وهتاف "الله أكبر" و"يا حسين" بصوت عالٍ. وقوبل هذا العمل برد فعل شديد من الحراس في الأيام التالية[١٤].
ومرّ ذلك اليوم كما كان، حتى جاء ليلة عاشوراء. في تلك الليلة، اقتحم خمسون جنديًا عراقيًا المهجع مرة أخرى، وضربوا الإخوة بقسوة حتى لم تعد القدرة لدى الشباب على إقامة الصلاة واقفين. بلغ كرههم للأسرى الإيرانيين درجة أن بعض الجنود البعثيين كانوا يمضغون آذان الأحبة بأسنانهم. وردًا على هذه الإجراءات، أضرب الشباب بعد المراسم ولم يغادر أحد المهجع[١٥].
في إحدى الليالي، قررنا أن نُصلي جماعة في نفس وقت المهاجع الأخرى... بعد العد الليلي، عيّن كل مهجع مؤذنًا وإمام جماعة وشخصين حارسين، وتشكلت صفوف صلاة جماعة منتظمة في جميع المهاجع في وقت واحد. عادةً، في هذا الوقت من الليل، كان يصدر ضجيج كبير في المعسكر. لهذا السبب، فاجأ صمت تلك الليلة العراقيين، فأرسلوا حارسًا إلى الأعلى وآخر إلى الأسفل للتحقق من الأمر. وأبلغنا الحراس الذين كنا قد عينناهم بوصول العراقيين. لكننا واصلنا صلاتنا دون أي التفات أو اهتمام. كنا في الركعة الأخيرة من الصلاة عندما هاجمنا العراقيون وضربوا الشباب بقدر ما استطاعوا بالكابلات والعصي[٦].
الاحتجاج على حضور معارضي النظام والجواسيس
في 1982، في أحد الأيام، حضرت مجموعة من 9 أشخاص، تشمل 6 رجال و3 نساء، من معارضي الجمهورية الإسلامية، إلى المعسكر بالتنسيق مع مسؤولي العراقيين، بهدف التأثير على الأسرى الصغار والمراهقين. جمعوا حوالي خمسين أسيرًا صغير السن في قاعة في مقر قائد المعسكر. بشكل عام، كان كل منهم، أثناء حديثه، يطرح جوانب من المواضيع ويحاول، من خلال استثارة مشاعر وعواطف الأسرى، إعطاء عمق أكبر لكلامه... في النهاية، رد عدد من الأسرى المراهقين والشباب، معترضين على وجودهم في أرض العدو، على ادعاءاتهم. قال أحد الأسرى: لقد أتعبت نفسك لساعات. حتى لو تحدثت لأربعين ساعة أخرى، لن نكف عن نصرت الإمام الخميني. عند سماع اسم الإمام، أرسل جميع الأسرى الحاضرين في القالة، أمام أنظار المعارضين والعراقيين، صلواتًا بصوت عالٍ احتجاجًا على وجودهم، مما جعل المعارضين يصلون إلى نتيجة مفادها أن وجودهم لم يعد مجديًا وغادروا المعسكر خائبين؛ رغم أن جميع الأسرى الحاضرين في ذلك الاجتماع تعرضوا لضرب مبرح ليلاً[١٤].
وفي التعامل مع الجواسيس، كان القرار دائمًا على التحمل والتسامح ونصحهم بالكف عن هذا العمل الخائن، لكن كان التحمل صعبًا جدًا مع بعض هؤلاء الأفراد، بسبب سوابقهم والخيانات التي كانوا يرتكبونها. أحد هؤلاء الأفراد، الذي واصل عمله الخائن لسنوات، وبجرأة ووقاحة، وجد طريقه إلى معسكر الموصل 1. وعندما لم يكف عن شره بعد النصائح المشفقة والتحذيرات الجادة، تعرض لهجوم وضرب مبرح من قبل عدة أسرى غيورين فطفح بهم الكيل، لدرجة أن العراقيين اضطروا لنقله إلى مستشفى الموصل[١٤].
نتائج الاحتجاج
في كثير من الحالات، كانت الاحتجاجات تفضي إلى النتيجة المرجوة، وفي بعض الأحيان كانت تنتهي بالفشل. ما يمكن استخلاصه من ذكريات المحررين هو أن النتيجة الإجمالية للاحتجاجات كانت مرضية. في كثير من الحالات، أدت الاحتجاجات إلى تغيير أو تحسين الوضع، أو أن بعض الاحتجاجات صحّحت سلوك العدو. هناك حالات كثيرة أدت فيها الاحتجاجات إلى خلق ظروف أفضل. وفي حالات أخرى، تمكن العدو من مواصلة أساليبه.
انظر أيضاً
- أساليب الاحتجاج في المعسكرات
- أنواع احتجاجات الأسرى
- الاحتجاج على التعذيب النفسي والمعنوي في المعسكرات
- الاحتجاج على القيود المفروضة على إقامة الشعائر الدينية في المعسكرات
- الاحتجاج على وجود معارضي النظام والجواسيس في المعسكرات
- الاحتجاج على الدعاية الكاذبة أثناء الأسر
- الأسر والأسرى
- الاحتجاج
فهرس
- ↑ 1. زماني، علي أصغر (2003). دراسة وضع أسرى الحرب الإيرانيين في المعسكرات العراقية. طهران: سروش.
- ↑ داعي، علي (2008). انتهاك حقوق أسرى الحرب الإيرانيين والمسؤولية الدولية للحكومة العراقية. طهران: بيام آزادكان.
- ↑ موقع معهد أبحاث الدفاع المقدس للعلوم والتربية.
- ↑ ٤٫٠ ٤٫١ ٤٫٢ ٤٫٣ درويشي، فرهاد (2012). الحرب الإيرانية العراقية: أسئلة وأجوبة. طهران: مركز دراسات وأبحاث الحرب.
- ↑ أماني، محمد رضا (2017). صحيفة شهر آرا، العدد 1044.
- ↑ ٦٫٠ ٦٫١ موقع معهد بيام آزادكان الثقافي والفني.
- ↑ موقع راسخون.
- ↑ طحانيان، مهدي (2012). جندي الإمام الصغير. طهران: بيام آزادكان.
- ↑ زاغيان، أصغر (2010). المعسكر الثاني عشر. قم: منشورات ولا المنتظر.
- ↑ علیدوستي، همايون (2011). كتابات من الخارج. طهران: حوزه هنري.
- ↑ زنگانه، حسن (2015). موقعنا الإلكتروني "كلستان". بتاريخ 18 أغسطس 2015.
- ↑ وكالة أنباء فارس (2012). التربة الخفية. بتاريخ 21 أكتوبر 2012.
- ↑ دهنمكي، مسعود وآخرون (1996). الفكاهة في الأسر، بإشراف عباس علي وكيلي. طهران: المساعد الثقافي لمقر آزادكان.
- ↑ ١٤٫٠ ١٤٫١ ١٤٫٢ نوري، حسن (2012). ثلاثة آلاف يوم في الأسر. طهران: بيام آزادكان.
- ↑ يحيى كمالي بور، آزاده (2016). الموقع الإلكتروني الشامل لآزادكان الدفاع المقدس.
للمزيد من القراءة
كالة أنباء إسنا.
شروين، هوشنگ (1995). المسافر، السماء، السلسلة. ذكريات طيار حر، طهران: القوات البرية للحرس الثوري الإيراني.
يوسف زاده، أحمد (1993). هؤلاء الأشخاص الثلاثة والعشرون. طهران: سورة مهر.
مجيد فصيحي هرندي