انتقل إلى المحتوى

الأسرى والأحرار في الصحافة: الفرق بين النسختين

من ويكي الاحرار
Samiee (نقاش | مساهمات)
أنشأ الصفحة ب''''انعكاس الأخبار والتقارير المتعلقة بالأسرى والأحرار في الصحف والمجلات الداخلية.''' == من بداية الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران إلى لحظة قبول وقف إطلاق النار == في ۳۱ شهريور ۱۳۵۹ هـ.ش (۲۲ سبتمبر ۱۹۸۰ م)، شنت القوات العراقية التابعة لنظام ا...'
 
Samiee (نقاش | مساهمات)
لا ملخص تعديل
سطر ١٠٠: سطر ١٠٠:
ومن أجل تغيير ميزان القوى والسيطرة على المناخ الدعائي، قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناسبتين بالإفراج من جانب واحد عن ۸۷۴ أسيراً عراقياً، كان من بينهم ۲۴ مسيحياً. وقد ساهم الإفراج عن الأسرى المسيحيين، الذي تزامن مع ذكرى ميلاد السيد المسيح (ع)، في كسر حدة الدعاية ضد إيران وأحدث صدى واسعاً في الأوساط الإعلامية.
ومن أجل تغيير ميزان القوى والسيطرة على المناخ الدعائي، قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناسبتين بالإفراج من جانب واحد عن ۸۷۴ أسيراً عراقياً، كان من بينهم ۲۴ مسيحياً. وقد ساهم الإفراج عن الأسرى المسيحيين، الذي تزامن مع ذكرى ميلاد السيد المسيح (ع)، في كسر حدة الدعاية ضد إيران وأحدث صدى واسعاً في الأوساط الإعلامية.


ورداً على هذه الخطوة، التقى "سوما روغا"، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بـ "سيروس ناصري"، الممثل الدائم للجمهورية الإسلامية الإيرانية في جنيف، في أجواء ودية، وصرح روغا قائلاً:
ورداً على هذه الخطوة، التقى "سوما روغا"، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بـ "سيروس ناصري"، الممثل الدائم للجمهورية الإسلامية الإيرانية في جنيف، في أجواء ودية، وصرح روغا قائلاً:<blockquote>«إن ما قمتم به فيما يتعلق بالإفراج الأحادي عن الأسرى العراقيين هو خطوة جوهرية وجادة للغاية، ولكن لا تزال هناك مشكلة أساسية تتعلق بالأسرى الإيرانيين».</blockquote>كانت هذه التصريحات تشير إلى اعتقاد أعلى سلطة دولية بعدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، وهو أمر كان يثير القلق في محله. ورد الممثل الدائم لإيران في جنيف قائلاً:<blockquote>«عليكم أن تعلنوا عن هذا الرأي رسمياً وتتحملوا مسؤولية ذلك»، </blockquote>إلا أن روغا امتنع عن ذلك. وهنا ذكّره ناصري بأنه إذا كان موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو عدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، فإن أي أسير يُكتشف وجوده سيتعرض حياته للخطر بسهولة من قبل نظام البعث، وطالبه بالتدخل من منطلق إنساني للضغط على الجانب العراقي ليكون مسؤولاً عن مصير ما تبقى من الأسرى الإيرانيين. وعقب هذا اللقاء، قام "ميشيل كانيو" بزيارة إلى إيران ممثلاً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتعود العلاقات بين الطرفين إلى مسارها بعد فترة من الانقطاع.
 
«إن ما قمتم به فيما يتعلق بالإفراج الأحادي عن الأسرى العراقيين هو خطوة جوهرية وجادة للغاية، ولكن لا تزال هناك مشكلة أساسية تتعلق بالأسرى الإيرانيين».
 
كانت هذه التصريحات تشير إلى اعتقاد أعلى سلطة دولية بعدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، وهو أمر كان يثير القلق في محله. ورد الممثل الدائم لإيران في جنيف قائلاً:
 
«عليكم أن تعلنوا عن هذا الرأي رسمياً وتتحملوا مسؤولية ذلك»، إلا أن روغا امتنع عن ذلك. وهنا ذكّره ناصري بأنه إذا كان موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو عدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، فإن أي أسير يُكتشف وجوده سيتعرض حياته للخطر بسهولة من قبل نظام البعث، وطالبه بالتدخل من منطلق إنساني للضغط على الجانب العراقي ليكون مسؤولاً عن مصير ما تبقى من الأسرى الإيرانيين. وعقب هذا اللقاء، قام "ميشيل كانيو" بزيارة إلى إيران ممثلاً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتعود العلاقات بين الطرفين إلى مسارها بعد فترة من الانقطاع.


== عام التحول في وضع الأسرى ==
== عام التحول في وضع الأسرى ==
بدأ عام ۱۳۷۴ هـ.ش (۱۹۹۵ م) ببوادر تحول ملموس في ملف الأسرى. وكان إرسال وفد إلى بغداد برئاسة "علي خرم"، مستشار وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، هو فاتحة هذا التحول؛ حيث فُتحت أبواب المفاوضات من جديد، وجرى تتبع مسألة الإفراج عن الأسرى المتبقين في العراق، بالإضافة إلى تحديد مصير المفقودين واللاجئين. وخلال هذه الزيارة، التقى "خرم" بنظيره العراقي، وصرح في مؤتمر صحفي قائلاً:
بدأ عام ۱۳۷۴ هـ.ش (۱۹۹۵ م) ببوادر تحول ملموس في ملف الأسرى. وكان إرسال وفد إلى بغداد برئاسة "علي خرم"، مستشار وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، هو فاتحة هذا التحول؛ حيث فُتحت أبواب المفاوضات من جديد، وجرى تتبع مسألة الإفراج عن الأسرى المتبقين في العراق، بالإضافة إلى تحديد مصير المفقودين واللاجئين. وخلال هذه الزيارة، التقى "خرم" بنظيره العراقي، وصرح في مؤتمر صحفي قائلاً:<blockquote>«إن سياسة إيران تهدف إلى إيجاد حل جذري وعملي بدلاً من الجدل والمساجلات من أجل الإفراج عن الأسرى المتبقين لدى كلا البلدين؛ لأن قضية الأسرى هي قضية إنسانية بحتة».</blockquote>وخلصت المفاوضات إلى اتفاق الطرفين على إعداد وتقديم قوائم بمطالباتهما، وهو ما كان في مصلحة إيران في نهاية المطاف؛ إذ كان الجانب العراقي يكتفي بالادعاء دون القدرة على تقديم قائمة حقيقية للأسرى المتبقين لديه في إيران، مما اضطره إلى تقليص أرقامه الفلكية. كما أدى هذا الإجراء إلى تجريد الإعلام العراقي من سلاحه الدعائي وتضييق نطاق مواضيعه، مما خلق أجواءً هادئة ومناسبة لمواصلة الحوار بهدف الوصول إلى حل عملي ومنصف. وبما أن مثل هذا الإجراء لم يكن قد اتخذ من قبل، فقد اعتبر خطوة هامة لحل القضايا المشتركة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والدعائية. ومن أبرز منجزات هذه الزيارة استمرار العمل من خلال أربع لجان مستقلة هي: "الأسرى"، "اللاجئين"، "البحث عن الجثامين"، و"المسائل الحدودية"، مما ساهم في تسهيل الإجراءات. وفي تلك الفترة، قامت الصحافة الوطنية بدعم إنجازات الوفد الإيراني، وأظهرت سعة صدر في التعامل مع مرحلة جديدة من التفاعل والتسامح في إطار السياسات العامة للنظام، سعياً لتهيئة الظروف للإفراج عن بقية الأسرى (كما ورد في صحيفتي "الجمهورية الإسلامية" و"سلام" بتاريخ 1374/۳/21 هـ.ش)<ref name=":1" />.
 
«إن سياسة إيران تهدف إلى إيجاد حل جذري وعملي بدلاً من الجدل والمساجلات من أجل الإفراج عن الأسرى المتبقين لدى كلا البلدين؛ لأن قضية الأسرى هي قضية إنسانية بحتة».
 
وخلصت المفاوضات إلى اتفاق الطرفين على إعداد وتقديم قوائم بمطالباتهما، وهو ما كان في مصلحة إيران في نهاية المطاف؛ إذ كان الجانب العراقي يكتفي بالادعاء دون القدرة على تقديم قائمة حقيقية للأسرى المتبقين لديه في إيران، مما اضطره إلى تقليص أرقامه الفلكية. كما أدى هذا الإجراء إلى تجريد الإعلام العراقي من سلاحه الدعائي وتضييق نطاق مواضيعه، مما خلق أجواءً هادئة ومناسبة لمواصلة الحوار بهدف الوصول إلى حل عملي ومنصف. وبما أن مثل هذا الإجراء لم يكن قد اتخذ من قبل، فقد اعتبر خطوة هامة لحل القضايا المشتركة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والدعائية. ومن أبرز منجزات هذه الزيارة استمرار العمل من خلال أربع لجان مستقلة هي: "الأسرى"، "اللاجئين"، "البحث عن الجثامين"، و"المسائل الحدودية"، مما ساهم في تسهيل الإجراءات. وفي تلك الفترة، قامت الصحافة الوطنية بدعم إنجازات الوفد الإيراني، وأظهرت سعة صدر في التعامل مع مرحلة جديدة من التفاعل والتسامح في إطار السياسات العامة للنظام، سعياً لتهيئة الظروف للإفراج عن بقية الأسرى (كما ورد في صحيفتي "الجمهورية الإسلامية" و"سلام" بتاريخ ۲۱/۳/۱۳۷۴ هـ.ش)<ref name=":1" />.


وفي ۱۹ أيلول (سبتمبر) ۱۳۷۴ هـ.ش، وصل وفد عراقي برئاسة "سعد عبد المجيد فيصل"، نائب وزير الخارجية العراقي، إلى طهران للتفاوض مع المسؤولين الإيرانيين. وأسفرت هذه المباحثات عن صياغة محضر اجتماع يتألف من ۷ مواد وقع عليها الطرفان. وبموجب هذا المحضر، اتفق الطرفان على تبادل قوائم الأسرى لتكون أساساً للإجراءات النهائية بعد المراجعة والتحقق، كما تقرر تشكيل لجنة فرعية أخرى لدراسة الملفات الخلافية بدقة، تمهيداً لتبادل كافة الأسرى المتبقين تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهكذا، تم التوقيع لأول مرة على اتفاقية مكتوبة بين البلدين تتعلق بالأسرى، لضمان تسجيل ادعاءات الطرفين بعيداً عن المبالغة. ورغم أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ فعلياً بسبب رفض الجانب العراقي تبادل قائمة أسرائه المدعى وجودهم، إلا أنها شكلت حجر الزاوية للمفاوضات اللاحقة.
وفي ۱۹ أيلول (سبتمبر) ۱۳۷۴ هـ.ش، وصل وفد عراقي برئاسة "سعد عبد المجيد فيصل"، نائب وزير الخارجية العراقي، إلى طهران للتفاوض مع المسؤولين الإيرانيين. وأسفرت هذه المباحثات عن صياغة محضر اجتماع يتألف من ۷ مواد وقع عليها الطرفان. وبموجب هذا المحضر، اتفق الطرفان على تبادل قوائم الأسرى لتكون أساساً للإجراءات النهائية بعد المراجعة والتحقق، كما تقرر تشكيل لجنة فرعية أخرى لدراسة الملفات الخلافية بدقة، تمهيداً لتبادل كافة الأسرى المتبقين تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهكذا، تم التوقيع لأول مرة على اتفاقية مكتوبة بين البلدين تتعلق بالأسرى، لضمان تسجيل ادعاءات الطرفين بعيداً عن المبالغة. ورغم أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ فعلياً بسبب رفض الجانب العراقي تبادل قائمة أسرائه المدعى وجودهم، إلا أنها شكلت حجر الزاوية للمفاوضات اللاحقة.
سطر ١١٩: سطر ١٠٩:
اتسم نهج الصحافة الوطنية في هذه الفترة بدعم صناع القرار والمسؤولين التنفيذيين، ومن أبرز سمات أدائها آنذاك كان الاحتفاء بالمكانة الاجتماعية لـ "الأحرار" والتأكيد على أهميتهم في المجتمع الإيراني. وكان هذا التوجه يعكس جدية إيران في ملف الإفراج عن كافة الأسرى، ويُبرز اهتمام المسؤولين بإنهاء معاناة المحتجزين، وهو موقف كان جلياً للخبراء والمراقبين المحايدين. وفي المقابل، لم يكن نظام البعث في تلك المرحلة، وبسبب تداعيات "الانتفاضة الشيعية"، يرغبون في عودة أسرائهم (الذين كان معظمهم من الشيعة)، ولم يظهر منهم أي ترحيب بعملية تبادل الأسرى، باستثناء الإفراج عن مجموعة من الضباط التابعين لحزب البعث (كما توثق صفحات صحف "سلام"، "كيان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في تلك الفترة)<ref name=":1" />.
اتسم نهج الصحافة الوطنية في هذه الفترة بدعم صناع القرار والمسؤولين التنفيذيين، ومن أبرز سمات أدائها آنذاك كان الاحتفاء بالمكانة الاجتماعية لـ "الأحرار" والتأكيد على أهميتهم في المجتمع الإيراني. وكان هذا التوجه يعكس جدية إيران في ملف الإفراج عن كافة الأسرى، ويُبرز اهتمام المسؤولين بإنهاء معاناة المحتجزين، وهو موقف كان جلياً للخبراء والمراقبين المحايدين. وفي المقابل، لم يكن نظام البعث في تلك المرحلة، وبسبب تداعيات "الانتفاضة الشيعية"، يرغبون في عودة أسرائهم (الذين كان معظمهم من الشيعة)، ولم يظهر منهم أي ترحيب بعملية تبادل الأسرى، باستثناء الإفراج عن مجموعة من الضباط التابعين لحزب البعث (كما توثق صفحات صحف "سلام"، "كيان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في تلك الفترة)<ref name=":1" />.


== تكتيكات العراق الدعائية ومناورات جهاز الاستخبارات ==
تكتيكات العراق الدعائية ومناورات جهاز الاستخبارات
 
في الوقت الذي كانت فيه الصحافة الإيرانية تتبع نهج "ضبط النفس" الذي تبناه المسؤولون الإيرانيون للحفاظ على مستوى العلاقات وتجنب التصعيد، شنّت الصحافة العراقية مرحلة جديدة من الهجوم أحادي الجانب ضد إيران. فقد عمد نظام البعث إلى التظاهر بالمظلومية، واتهام إيران بأنها الطرف المعرقل لتحرير بقية الأسرى. وفي هذا السياق، وبهدف إيجاد مادة دسمة لوسائل الإعلام التابعة له، قام نظام البعث بإرسال أربع رسائل متطابقة إلى كل من: الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لحركة عدم الانحياز، متهماً إيران بعرقلة مفاوضات الأسرى. وقد لقيت هذه الرسائل اهتماماً واسعاً وصخباً كبيراً في الصحف العراقية والوسائل الإعلامية المحسوبة على نظام صدام.
في الوقت الذي كانت فيه الصحافة الإيرانية تتبع نهج "ضبط النفس" الذي تبناه المسؤولون الإيرانيون للحفاظ على مستوى العلاقات وتجنب التصعيد، شنّت الصحافة العراقية مرحلة جديدة من الهجوم أحادي الجانب ضد إيران. فقد عمد نظام البعث إلى التظاهر بالمظلومية، واتهام إيران بأنها الطرف المعرقل لتحرير بقية الأسرى. وفي هذا السياق، وبهدف إيجاد مادة دسمة لوسائل الإعلام التابعة له، قام نظام البعث بإرسال أربع رسائل متطابقة إلى كل من: الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لحركة عدم الانحياز، متهماً إيران بعرقلة مفاوضات الأسرى. وقد لقيت هذه الرسائل اهتماماً واسعاً وصخباً كبيراً في الصحف العراقية والوسائل الإعلامية المحسوبة على نظام صدام.


ولمواجهة هذا الزخم الدعائي الذي قاده الإعلام العراقي وحلفاؤه الإقليميون والغربيون، كثف "كمال خرازي"، الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، من عقد المؤتمرات الصحفية في نيويورك. وخلال هذه اللقاءات، وجه خرازي انتقادات لاذعة لسلوك نظام البعث، كاشفاً عن أسباب إطالة أمد المفاوضات وفشلها نتيجة ممارسات نظام البعث. وقد أحدثت هذه المؤتمرات تأثيراً إيجابياً ملموساً في الرأي العام الدولي، حيث ساهمت في كشف حقيقة الحملة الدعائية لنظام البعث.
ولمواجهة هذا الزخم الدعائي الذي قاده الإعلام العراقي وحلفاؤه الإقليميون والغربيون، كثف "كمال خرازي"، الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، من عقد المؤتمرات الصحفية في نيويورك. وخلال هذه اللقاءات، وجه خرازي انتقادات لاذعة لسلوك نظام البعث، كاشفاً عن أسباب إطالة أمد المفاوضات وفشلها نتيجة ممارسات نظام البعث. وقد أحدثت هذه المؤتمرات تأثيراً إيجابياً ملموساً في الرأي العام الدولي، حيث ساهمت في كشف حقيقة الحملة الدعائية لنظام البعث.


== انتقال ملف الأسرى إلى وزارة الاستخبارات العراقية ==
انتقال ملف الأسرى إلى وزارة الاستخبارات العراقية
 
في منتصف عام ۱۳۷۵ هـ.ش (۱۹۹۶ م)، سحب نظام البعث عملياً ملف المفاوضات من يد وزارة خارجيته وأحاله إلى "وزارة الاستخبارات"، متبعاً بذلك تكتيكاً جديداً لتعطيل المفاوضات وجعلها عديمة الجدوى. وفور ذلك، وصل وزير الاستخبارات العراقي إلى إيران، وفي محاولة تضليلية للخروج من مأزق المفاوضات، أعلن عن مطلبه الرئيسي المتمثل في "تجاهل كافة الاتفاقات السابقة". وزعم الوزير العراقي أن عناصر الاستخبارات يتمتعون بنفوذ أكبر داخل هيكلية النظام، وبالتالي يمكنهم دفع المهمة بشكل أفضل.
في منتصف عام ۱۳۷۵ هـ.ش (۱۹۹۶ م)، سحب نظام البعث عملياً ملف المفاوضات من يد وزارة خارجيته وأحاله إلى "وزارة الاستخبارات"، متبعاً بذلك تكتيكاً جديداً لتعطيل المفاوضات وجعلها عديمة الجدوى. وفور ذلك، وصل وزير الاستخبارات العراقي إلى إيران، وفي محاولة تضليلية للخروج من مأزق المفاوضات، أعلن عن مطلبه الرئيسي المتمثل في "تجاهل كافة الاتفاقات السابقة". وزعم الوزير العراقي أن عناصر الاستخبارات يتمتعون بنفوذ أكبر داخل هيكلية النظام، وبالتالي يمكنهم دفع المهمة بشكل أفضل.


وعند زيارته لطهران، توجه الوزير العراقي إلى وزارة الاستخبارات متوقعاً أن يجد نظيره الإيراني، إلا أن "رئيس لجنة الأسرى" الإيرانية هو من تولى عملية التفاوض معه. وفي هذا اللقاء، طُرحت قضية تحرير كافة الأسرى لدى الطرفين للنقاش. وشدد الممثل الإيراني على التمسك بالاتفاقات السابقة، منتقداً بشدة المواقف المتذبذبة للجانب العراقي، ومندداً بتجاهل الجوانب الإنسانية لقضية الأسرى واستغلالها كأداة دعائية من قبل الصحافة العراقية. وقد أدت مواقف إيران الحازمة والمبدئية إلى تراجع الجانب العراقي عن هذا التكتيك، وإعادة الملف مجدداً إلى وزارة الخارجية.
وعند زيارته لطهران، توجه الوزير العراقي إلى وزارة الاستخبارات متوقعاً أن يجد نظيره الإيراني، إلا أن "رئيس لجنة الأسرى" الإيرانية هو من تولى عملية التفاوض معه. وفي هذا اللقاء، طُرحت قضية تحرير كافة الأسرى لدى الطرفين للنقاش. وشدد الممثل الإيراني على التمسك بالاتفاقات السابقة، منتقداً بشدة المواقف المتذبذبة للجانب العراقي، ومندداً بتجاهل الجوانب الإنسانية لقضية الأسرى واستغلالها كأداة دعائية من قبل الصحافة العراقية. وقد أدت مواقف إيران الحازمة والمبدئية إلى تراجع الجانب العراقي عن هذا التكتيك، وإعادة الملف مجدداً إلى وزارة الخارجية.


== مبادرة إيران الإنسانية وتحديات دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر ==
مبادرة إيران الإنسانية وتحديات دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر
 
في محاولة لكسر الجمود في المفاوضات، أقدمت إيران في ۵/۸/۱۳۷۵ هـ.ش (۲۶ أكتوبر ۱۹۹۶ م) على الإفراج الأحادي عن ۱۵۰ أسيراً عراقياً، وهي خطوة لاقت أصداءً إعلامية إيجابية في الدول الأوروبية. وبناءً على هذه المبادرة، تشجعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إرسال ممثل عنها لتحريك المفاوضات، حيث زار "ميشيل كانيو"، المدير العام لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طهران في ۱۳ آذر (ديسمبر) ۱۳۷۵ هـ.ش (ديسمبر ۱۹۹۶ م) وأجرى مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين.
في محاولة لكسر الجمود في المفاوضات، أقدمت إيران في ۵/۸/۱۳۷۵ هـ.ش (۲۶ أكتوبر ۱۹۹۶ م) على الإفراج الأحادي عن ۱۵۰ أسيراً عراقياً، وهي خطوة لاقت أصداءً إعلامية إيجابية في الدول الأوروبية. وبناءً على هذه المبادرة، تشجعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إرسال ممثل عنها لتحريك المفاوضات، حيث زار "ميشيل كانيو"، المدير العام لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طهران في ۱۳ آذر (ديسمبر) ۱۳۷۵ هـ.ش (ديسمبر ۱۹۹۶ م) وأجرى مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين.


طالبت إيران خلال المباحثات بضرورة التزام اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالحياد، وتنظيم جهود صادقة لإيجاد حلول عملية لمسألة الأسرى، وتصحيح إحصائيات اللجنة الدولية حول أعداد الأسرى لدى البلدين. إلا أن ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبذريعة أن «اللجنة لا يمكنها قبول الأرقام إلا بناءً على الأدلة والزيارات الميدانية»، وقف عملياً في صف المواقف العراقية. وتزامناً مع وجود ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نشرت بعض الصحف الإيرانية واسعة الانتشار مقالات وافتتاحيات شديدة اللهجة انتقدت فيها أداء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مذكرةً إياه برسالته الإنسانية الدولية (للمزيد يرجى مراجعة صحف "كيهان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في آذر ۱۳۷۵ هـ.ش).
طالبت إيران خلال المباحثات بضرورة التزام اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالحياد، وتنظيم جهود صادقة لإيجاد حلول عملية لمسألة الأسرى، وتصحيح إحصائيات اللجنة الدولية حول أعداد الأسرى لدى البلدين. إلا أن ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبذريعة أن «اللجنة لا يمكنها قبول الأرقام إلا بناءً على الأدلة والزيارات الميدانية»، وقف عملياً في صف المواقف العراقية. وتزامناً مع وجود ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نشرت بعض الصحف الإيرانية واسعة الانتشار مقالات وافتتاحيات شديدة اللهجة انتقدت فيها أداء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مذكرةً إياه برسالته الإنسانية الدولية (للمزيد يرجى مراجعة صحف "كيهان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في آذر ۱۳۷۵ هـ.ش)<ref name=":1" />.


== استمرار التحديات الدبلوماسية في عام ۱۳۷۶ هـ.ش (۱۹۹۷ م) ==
== استمرار التحديات الدبلوماسية في عام ۱۳۷۶ هـ.ش (۱۹۹۷ م) ==
سطر ١٤٠: سطر ١٣٣:
في شهر شهريور ۱۳۷۶ هـ.ش (أغسطس/سبتمبر ۱۹۹۷ م)، زار ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إيران مجدداً، وأعلن صراحةً أنه لا يعلم بوجود أي أسير سوى الـ ۶۴ سجينًا والطيار "حسين لشکری". وكان موقف هذا الممثل، الذي بدا قريباً من المواقف العراقية، يعني تجاهل العديد من الوثائق والأدلة التي قدمتها المسؤولون الإيرانيون للجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن وجود آلاف الأسرى الإيرانيين في معتقلات نظام البعث السرية والعلنية. ورداً على هذا الموقف، عقد رئيس لجنة الأسرى مؤتمراً صحفياً أكد فيه أن الأرقام التي أعلنها ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر غير صحيحة، معتبراً إياها تأكيداً على محاولات الجانب العراقي لعرقلة الحل النهائي لملف الأسرى. ومن جانبهم، رد المسؤولون العراقيون بتجديد اتهاماتهم المعتادة، مما أدى إلى اشتعال الهجمات الإعلامية العراقية ضد إيران مرة أخرى بعد فترة من الهدوء.
في شهر شهريور ۱۳۷۶ هـ.ش (أغسطس/سبتمبر ۱۹۹۷ م)، زار ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إيران مجدداً، وأعلن صراحةً أنه لا يعلم بوجود أي أسير سوى الـ ۶۴ سجينًا والطيار "حسين لشکری". وكان موقف هذا الممثل، الذي بدا قريباً من المواقف العراقية، يعني تجاهل العديد من الوثائق والأدلة التي قدمتها المسؤولون الإيرانيون للجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن وجود آلاف الأسرى الإيرانيين في معتقلات نظام البعث السرية والعلنية. ورداً على هذا الموقف، عقد رئيس لجنة الأسرى مؤتمراً صحفياً أكد فيه أن الأرقام التي أعلنها ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر غير صحيحة، معتبراً إياها تأكيداً على محاولات الجانب العراقي لعرقلة الحل النهائي لملف الأسرى. ومن جانبهم، رد المسؤولون العراقيون بتجديد اتهاماتهم المعتادة، مما أدى إلى اشتعال الهجمات الإعلامية العراقية ضد إيران مرة أخرى بعد فترة من الهدوء.


وفي خطاب تلفزيوني، هاجم صدام حسين إيران متهماً إياها بالرغبة في التوسع، متحدثاً من منطلق زائف كزعيم للعالم العربي عن قضايا هامشية. ورداً على تصريحات صدام، صرح الدكتور "خرم"، المستشار الأقدم لوزير الخارجية الإيراني، للصحافة الوطنية قائلاً:
وفي خطاب تلفزيوني، هاجم صدام حسين إيران متهماً إياها بالرغبة في التوسع، متحدثاً من منطلق زائف كزعيم للعالم العربي عن قضايا هامشية. ورداً على تصريحات صدام، صرح الدكتور "خرم"، المستشار الأقدم لوزير الخارجية الإيراني، للصحافة الوطنية قائلاً:<blockquote>«لا ينبغي أن نتوقع من أنفسنا القيام برد فعل حاد تجاه تصريحات صدام؛ فقد اعتدنا على هذه التقلبات من جانب نظام البعث، لذا سيكون تعاملنا متوازناً».</blockquote>وبلغة دبلوماسية رفيعة، نجح "خرم" في التقليل من شأن صدام عبر إظهار الفجوة بين نظام البعث والعالم العربي. وتماشياً مع هذا الموقف السياسي، اتخذت لجنة الأسرى خطوة عملية بالإفراج الأحادي عن ۴۶ أسيراً عراقياً؛ مما أضفى صبغة إيجابية على أجواء مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي ومنع قادة الدول الإسلامية من التأثر بالدعاية الإعلامية العراقية. وفي إطار تعزيز الموقف الإنساني، أطلقت إيران لاحقاً ۱۵۰ أسيراً عراقياً آخرين، بينما رد نظام البعث بخطوة "انفعالية" عبر الإفراج عن أسيرين إيرانيين كانا مفقودين، واللذين قدما معلومات قيمة للغاية ساهمت بشكل كبير في سير المفاوضات اللاحقة.
 
«لا ينبغي أن نتوقع من أنفسنا القيام برد فعل حاد تجاه تصريحات صدام؛ فقد اعتدنا على هذه التقلبات من جانب نظام البعث، لذا سيكون تعاملنا متوازناً».
 
وبلغة دبلوماسية رفيعة، نجح "خرم" في التقليل من شأن صدام عبر إظهار الفجوة بين نظام البعث والعالم العربي. وتماشياً مع هذا الموقف السياسي، اتخذت لجنة الأسرى خطوة عملية بالإفراج الأحادي عن ۴۶ أسيراً عراقياً؛ مما أضفى صبغة إيجابية على أجواء مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي ومنع قادة الدول الإسلامية من التأثر بالدعاية الإعلامية العراقية. وفي إطار تعزيز الموقف الإنساني، أطلقت إيران لاحقاً ۱۵۰ أسيراً عراقياً آخرين، بينما رد نظام البعث بخطوة "انفعالية" عبر الإفراج عن أسيرين إيرانيين كانا مفقودين، واللذين قدما معلومات قيمة للغاية ساهمت بشكل كبير في سير المفاوضات اللاحقة.


قمة الرباط والتبادل النهائي
قمة الرباط والتبادل النهائي
سطر ١٥٣: سطر ١٤٢:


== تحرير الطيار حسين لشکری ومرحلة جديدة من المفاوضات ==
== تحرير الطيار حسين لشکری ومرحلة جديدة من المفاوضات ==
في إطار الجهود المضنية التي بذلها المسؤولون لتحديد مصير الأسرى وتحريرهم، شهد شهر فروردين ۱۳۷۷ هـ.ش (مارس/أبريل ۱۹۹۸ م) عملية تبادل أخرى، حيث تم تحرير ۳۱۹ شخصاً من "الأحرار" الإيرانيين مقابل ۱۵ أسيراً عراقياً لكل منهم. ومن بين الذين نالوا حريتهم في هذه المرحلة، كان الطيار "حسين لشکری" الذي عاد إلى أحضان وطنه بعد ۱۸ عاماً من الأسر. ولأول مرة في هذه المرحلة، سُمح للصحفيين المحليين والدوليين بالمشاركة في مراسم استقبال الأسرى وتغطيتها بالصور والتقارير لنشرها في صحفهم العالمية.
في إطار الجهود المضنية التي بذلها المسؤولون لتحديد مصير الأسرى وتحريرهم، شهد شهر فروردين ۱۳۷۷ هـ.ش (مارس/أبريل ۱۹۹۸ م) عملية تبادل أخرى، حيث تم تحرير ۳۱۹ شخصاً من "الأحرار" الإيرانيين مقابل ۱۵ أسيراً عراقياً لكل منهم. ومن بين الذين نالوا حريتهم في هذه المرحلة، كان الطيار "حسين لشکری" الذي عاد إلى أحضان وطنه بعد ۱۸ عاماً من الأسر. ولأول مرة في هذه المرحلة، سُمح للصحفيين المحليين والدوليين بالمشاركة في مراسم استقبال الأسرى وتغطيتها بالصور والتقارير لنشرها في صحفهم العالمية.<blockquote>وبناءً على أدلة قاطعة، كان هناك ما لا يقل عن ۴۷۴ أسيراً إيرانياً آخرين لا يزالون في قبضة نظام البعث، مما استوجب مواصلة المساعي. وعليه، بدأت الجهات المعنية مرحلة جديدة من العمل الدؤوب لتحرير المتبقين. وبعد ثلاثة أيام من تحرير هذه المجموعة، كتبت صحيفة "الشرق الأوسط" العراقية: «ملف الأسرى الإيرانيين سيُغلق بنهاية العام الميلادي».</blockquote>هذا الخبر، الذي أيدته صحف عراقية أخرى مثل "المصور العربي"، منح المسؤولين الإيرانيين قوة وحافزاً جديداً لمضاعفة الجهود من أجل حسم مصير ما تبقى من الأسرى.
 
وبناءً على أدلة قاطعة، كان هناك ما لا يقل عن ۴۷۴ أسيراً إيرانياً آخرين لا يزالون في قبضة نظام البعث، مما استوجب مواصلة المساعي. وعليه، بدأت الجهات المعنية مرحلة جديدة من العمل الدؤوب لتحرير المتبقين. وبعد ثلاثة أيام من تحرير هذه المجموعة، كتبت صحيفة "الشرق الأوسط" العراقية: «ملف الأسرى الإيرانيين سيُغلق بنهاية العام الميلادي». هذا الخبر، الذي أيدته صحف عراقية أخرى مثل "المصور العربي"، منح المسؤولين الإيرانيين قوة وحافزاً جديداً لمضاعفة الجهود من أجل حسم مصير ما تبقى من الأسرى.


الانتصار الدبلوماسي في بغداد وتكتيك "السجناء السياسيين"
الانتصار الدبلوماسي في بغداد وتكتيك "السجناء السياسيين"
سطر ١٦٣: سطر ١٥٠:
كان من المتوقع أن يكون عام ۱۳۷۷ هـ.ش (۱۹۹۸ م)، الذي شهد تحرير ۴۹۴ أسيراً إيرانياً، عام الحسم النهائي لملف كافة الأسرى والمفقودين. إلا أن الآمال تحولت إلى يأس مرة أخرى عندما عمدت سلطات نظام البعث إلى تغيير وصف الأسرى الإيرانيين من "أسرى حرب" إلى "سجناء سياسيين"، مع تكرار ادعاء عدم وجود أي أسير إيراني في العراق. وقد أثار هذا السلوك استغراب وكالات الأنباء الغربية ودفعها لاتخاذ مواقف انتقادية (حيث تناولت وكالة الأنباء الفرنسية "AFP" هذا الموضوع في أحد أعدادها الصادرة في أبريل ۱۹۹۸ م).
كان من المتوقع أن يكون عام ۱۳۷۷ هـ.ش (۱۹۹۸ م)، الذي شهد تحرير ۴۹۴ أسيراً إيرانياً، عام الحسم النهائي لملف كافة الأسرى والمفقودين. إلا أن الآمال تحولت إلى يأس مرة أخرى عندما عمدت سلطات نظام البعث إلى تغيير وصف الأسرى الإيرانيين من "أسرى حرب" إلى "سجناء سياسيين"، مع تكرار ادعاء عدم وجود أي أسير إيراني في العراق. وقد أثار هذا السلوك استغراب وكالات الأنباء الغربية ودفعها لاتخاذ مواقف انتقادية (حيث تناولت وكالة الأنباء الفرنسية "AFP" هذا الموضوع في أحد أعدادها الصادرة في أبريل ۱۹۹۸ م).


وقد واجه هذا التغيير في الموقف العراقي موقفاً حازماً وصريحاً من رئيس الجمهورية آنذاك، آية الله هاشمي رفسنجاني، الذي صرح قائلاً: «إن حل المشكلة بين طهران وبغداد مرهون بتوضيح مصير الأسرى المتبقين». وبالتزامن مع ذلك، قدم رئيس لجنة الأسرى وثائقه إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً وجود ۳۲۰۶ أسرى إيرانيين على الأراضي العراقية. وفي المقابل، أشار أحد المسؤولين العراقيين في حديثه لصحيفة "صوت الطلبة" العراقية إلى قائمة بالأسرى العراقيين الذين استسلموا للوفد الإيراني.
وقد واجه هذا التغيير في الموقف العراقي موقفاً حازماً وصريحاً من رئيس الجمهورية آنذاك، آية الله هاشمي رفسنجاني، الذي صرح قائلاً: <blockquote>«إن حل المشكلة بين طهران وبغداد مرهون بتوضيح مصير الأسرى المتبقين». </blockquote>وبالتزامن مع ذلك، قدم رئيس لجنة الأسرى وثائقه إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً وجود ۳۲۰۶ أسرى إيرانيين على الأراضي العراقية. وفي المقابل، أشار أحد المسؤولين العراقيين في حديثه لصحيفة "صوت الطلبة" العراقية إلى قائمة بالأسرى العراقيين الذين استسلموا للوفد الإيراني.


التصعيد الإعلامي وتهديدات صدام حسين
التصعيد الإعلامي وتهديدات صدام حسين


وفي شهر تیر ۱۳۷۸ هـ.ش (يوليو ۱۹۹۹ م)، اتخذت الصحافة العراقية من موضوع الأسرى المتبقين في إيران موضوعاً محورياً بمناسبة ذكرى "النصر في الحرب"، وصبّت جام غضبها في مقالات هجومية. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "بابل" العراقية، التي كانت تدار تحت مسؤولية عدي بن صدام، في العمود الرئيسي بصفحتها الأولى: «إن عدم حل قضية الأسرى يشكل أحد المشاكل القائمة بين البلدين». كما ادعى صدام حسين في أحد خطاباته: «إيران تحتجز آلاف الأسرى العراقيين وترفض إطلاق سراحهم، ونحن سنلجأ إلى القوة إذا لزم الأمر لتحرير أسرانا».
وفي شهر تیر ۱۳۷۸ هـ.ش (يوليو ۱۹۹۹ م)، اتخذت الصحافة العراقية من موضوع الأسرى المتبقين في إيران موضوعاً محورياً بمناسبة ذكرى "النصر في الحرب"، وصبّت جام غضبها في مقالات هجومية. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "بابل" العراقية، التي كانت تدار تحت مسؤولية عدي بن صدام، في العمود الرئيسي بصفحتها الأولى: <blockquote>«إن عدم حل قضية الأسرى يشكل أحد المشاكل القائمة بين البلدين». </blockquote>كما ادعى صدام حسين في أحد خطاباته:<blockquote>«إيران تحتجز آلاف الأسرى العراقيين وترفض إطلاق سراحهم، ونحن سنلجأ إلى القوة إذا لزم الأمر لتحرير أسرانا».</blockquote>وعقب هذه التصريحات، شنت الصحافة العراقية حملة جديدة من الجدل ضد إيران. ولم تكن الصحافة الإيرانية غافلة عن هذه التفاعلات، بل قامت بنقلها والرد عليها بذكاء. وفي هذا الإطار، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الصحافة المحلية والدولية إلى مؤتمر صحفي، رد فيه على "ترهات" صدام وفند ادعاءاته كذباً وزوراً، قائلاً: «إن موقف إيران تجاه أسرى ومفقودي الحرب المفروضة موقف إنساني يتسم بالرحمة والعطف الإسلامي. بل إن نظام البعث هم من جعلوا مصير آلاف الأسرى الإيرانيين ألعوبة، وهم الذين يتهربون من إطلاق سراحهم».
 
وعقب هذه التصريحات، شنت الصحافة العراقية حملة جديدة من الجدل ضد إيران. ولم تكن الصحافة الإيرانية غافلة عن هذه التفاعلات، بل قامت بنقلها والرد عليها بذكاء. وفي هذا الإطار، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الصحافة المحلية والدولية إلى مؤتمر صحفي، رد فيه على "ترهات" صدام وفند ادعاءاته كذباً وزوراً، قائلاً: «إن موقف إيران تجاه أسرى ومفقودي الحرب المفروضة موقف إنساني يتسم بالرحمة والعطف الإسلامي. بل إن نظام البعث هم من جعلوا مصير آلاف الأسرى الإيرانيين ألعوبة، وهم الذين يتهربون من إطلاق سراحهم».


بالتزامن مع حملتها الدعائية والإعلامية، عمد نظام البعث إلى إصدار ۲۴ مجلداً من مذكرات ضباط بعثيين كانوا أسرى في إيران بهدف «صناعة وثائق» تخدم روايتها، وقد سارعت الصحافة العراقية إلى نشر مقتطفات منها، مما أثر نسبياً على اتجاهات الرأي العام في الصحافة الغربية والعربية. ولإبطال هذه الحملة، اتخذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوة جريئة بالإفراج الأحادي عن ۲۷۷ أسيراً عراقياً في ۱۸ مهر ۱۳۷۸ هـ.ش (أكتوبر ۱۹۹۹ م). وبالتوازي، سلطت الصحافة الإيرانية الضوء على نزعة إيران الإنسانية وسعيها لتطوير العلاقات على أساس السلام والصداقة. وفي استمرار لهذا النهج، أطلقت إيران سراح ۵۰۰ أسير عراقي آخر بشكل أحادي، وتبعتهم بـ ۴۸۰ أسيراً في شهر أرديبهشت ۱۳۷۹ هـ.ش (مايو ۲۰۰۰ م)، ثم ۴۴۰ أسيراً بعد ذلك بعشرين يوماً؛ ليبلغ إجمالي من أطلقت إيران سراحهم بشكل أحادي ۱۶۹۷ أسيراً في غضون بضعة أشهر.
بالتزامن مع حملتها الدعائية والإعلامية، عمد نظام البعث إلى إصدار ۲۴ مجلداً من مذكرات ضباط بعثيين كانوا أسرى في إيران بهدف «صناعة وثائق» تخدم روايتها، وقد سارعت الصحافة العراقية إلى نشر مقتطفات منها، مما أثر نسبياً على اتجاهات الرأي العام في الصحافة الغربية والعربية. ولإبطال هذه الحملة، اتخذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوة جريئة بالإفراج الأحادي عن ۲۷۷ أسيراً عراقياً في ۱۸ مهر ۱۳۷۸ هـ.ش (أكتوبر ۱۹۹۹ م). وبالتوازي، سلطت الصحافة الإيرانية الضوء على نزعة إيران الإنسانية وسعيها لتطوير العلاقات على أساس السلام والصداقة. وفي استمرار لهذا النهج، أطلقت إيران سراح ۵۰۰ أسير عراقي آخر بشكل أحادي، وتبعتهم بـ ۴۸۰ أسيراً في شهر أرديبهشت ۱۳۷۹ هـ.ش (مايو ۲۰۰۰ م)، ثم ۴۴۰ أسيراً بعد ذلك بعشرين يوماً؛ ليبلغ إجمالي من أطلقت إيران سراحهم بشكل أحادي ۱۶۹۷ أسيراً في غضون بضعة أشهر.
سطر ١٨٨: سطر ١٧٣:


== انظر أيضاً ==
== انظر أيضاً ==
الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران


السيد علي أكبر أبو ترابي‌فرد
* الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران
 
* السيد علي أكبر أبو ترابي‌فرد
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
* اللجنة الدولية للصليب الأحمر
 
* جمعية الهلال الأحمر
جمعية الهلال الأحمر
* عودة "الأحرار" إلى أرض الوطن
 
* حسين لشکری
عودة "الأحرار" إلى أرض الوطن
* محمد جواد تندگویان
 
حسين لشکری
 
محمد جواد تندگویان


== المصادر والمراجع ==
== المصادر والمراجع ==
<references />


== للمزيد من القراءة ==
درويشي، فرهاد (۱۳۹۰ هـ.ش / ۲۰۱۱ م). الحرب الإيرانية العراقية: أسئلة وأجوبة. الطبعة السابعة. طهران: مركز دراسات وأبحاث الحرب.


Metz, Helen Chapin, ed. (1988), "The Soviet Union", Iraq: a Country Study, Library of Congress Country Studies.


 
== الكاتب ==
 
إسماعيل علوي‌يگانه
 
 
التصنيفات:
 
- الأسرى والأحرار في الصحافة
 
- الأسر والأسرى
 
- الأسرى
 
- الإعلام والأخبار

مراجعة ١٥:٠٠، ٨ أغسطس ٢٠٢٦

انعكاس الأخبار والتقارير المتعلقة بالأسرى والأحرار في الصحف والمجلات الداخلية.

من بداية الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران إلى لحظة قبول وقف إطلاق النار

في ۳۱ شهريور ۱۳۵۹ هـ.ش (۲۲ سبتمبر ۱۹۸۰ م)، شنت القوات العراقية التابعة لنظام البعث هجوماً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من ثلاثة محاور، بهدف استراتيجي يتمثل في "شن هجوم عنيف أولاً" ثم التفاوض بناءً على "وضع جديد"، وفرضت أطول حرب تقليدية في القرن العشرين على إيران. واستولت تلك القوات، مستغلةً عنصر المفاجأة، على أكثر من ۲۰ ألف كيلومتر مربع من الأراضي الإيرانية في الأيام الأولى للهجوم، وشملت مدناً وقرى عديدة (موقع محمد دروديان، باحث في تاريخ الحرب، نقلاً عن العميد محرابي، نائب استخبارات هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة). وبهدف تحقيق التفوق في المفاوضات المستقبلية، قامت باحتجاز المدافعين والمدنيين في المدن والقرى الحدودية[١].

ورغم ادعاء القوات العراقية التابعة لنظام البعث بأنها تخوض حرباً دفاعية لا مفر منها، إلا أنها أقدمت على نقل المعاقين والمرضى وكبار السن من سكان المدن والقرى الحدودية كأسرى حرب، وعاملتهم معاملة سيئة، ورفضت تسجيل أعداد كبيرة منهم لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر[٢][٣]. وأبدت الصحافة الداخلية، وخاصة الصحف الثلاث الرئيسية الصادرة في العاصمة (كيهان، اطلاعات، وجمهوري إسلامي)، اهتماماً بقضية الأسرى الإيرانيين منذ بداية الحرب، وتعاونت مع المطبوعات الأخرى في هذا الشأن. وعلى مدار ۲۲ عاماً، تابعت الصحافة المسؤولة أخبار وتقارير الأسرى ونشرتها في الوقت المناسب، وقدمت دعماً معنوياً للإجراءات الإنسانية التي أسفرت عن تحديد مصيرهم وتسهيل حياتهم وإطلاق سراحهم. وفي أوقات الضرورة، تصدت للدعاية المعادية لنظام البعث وحلفائه (في تلك الفترة، تناولت صحف الثورة الإسلامية، بامداد، آزادگان، ميزان، وأبرار هذا الموضوع أيضاً، وتعاونت مع الصحف الثلاث الرائدة في الدفاع عن الحقوق الإنسانية للأسرى، واستمر هذا النهج لاحقاً مع صحف سلام، رسالت، همشهري، إيران وغيرها). وكان الهدف من التغطية الصحفية هو كشف السلوك غير الإنساني لنظام البعث الحاكم في العراق تجاه الأسرى الإيرانيين، وإجبار حكام بغداد على الالتزام بالاتفاقيات الدولية والاعتراف بحقوق أسرى الحرب، وتوضيح مكانة الأسرى الاجتماعية لدى الرأي العام، وتمهيد الطريق لإطلاق سراحهم بشكل أسرع وأسهل. وفي هذا السياق، بادرت الصحافة، في إطار صلاحيات نظام إدارة الدعاية الحربية، بإنتاج ونشر أخبار وتقارير متنوعة، وشكلت جبهة لمواجهة الدعاية المعادية[٤].

أولى الأخبار التي وصلت إلى الصحف

في الأشهر التي سبقت الحرب، وعندما كانت الإجراءات الاستفزازية للقوات العراقية التابعة لنظام البعث تزعزع الأمن في المناطق والمدن الحدودية، وحتى في الأيام الأولى للحرب، وبسبب الظروف السائدة في المناخ العام للبلاد، وصلت أخبار ذات مصادر محلية وأحياناً غير موثوقة إلى صفحات الصحافة. كان من الممكن أن يكون لاستمرار هذا النهج آثار سيئة، وفي النهاية، أن يؤدي إلى إضعاف الروح الوطنية للدفاع. مثل هذه الأخبار، من خلال رسم صورة قاتمة، كانت تدفع المجتمع إلى الخمول وتغذي جواً من الخوف واليأس. ولكن مع يقظة المسؤولين وتعاون مجموعة العاملين والإعلاميين، تم وقف هذا الاتجاه بسرعة كبيرة، وأصبحت الأخبار المتعلقة بالحرب، بعد تأكيدها من قبل الجهات الرسمية، قابلة للنشر. وبهذه الطريقة، نُشر الخبر الأول حول موضوع الأسر، كجزء من استراتيجية هيمنة وكأول محور دعائي في إطار المواجهة الشاملة ضد عدوان العدو، بعد ثلاثة عشر يوماً من بدء الحرب. تم طرح هذا المحور لأول مرة من قبل أعلى مسؤول تنفيذي في البلاد، رئيس الوزراء آنذاك، محمد علي رجائي، ضمن خطاب ألقاه من منبر الأمم المتحدة، موجهاً إلى مجلس الأمن. وصرح في هذا الخطاب: "إن نظام البعث الحاكم في العراق يختطف المدنيين والمواطنين العاديين المقيمين في المدن والقرى الحدودية ويأخذهم كأسرى، ويعذبهم ويقتلهم مع أسرى الحرب". وطالب محمد علي رجائي في خطابه بمتابعة جرائم الحرب التي يرتكبها نظام البعث واتخاذ إجراءات فعالة من قبل المنظمات الدولية بهدف منع مثل هذه الأعمال اللاإنسانية[٤]. تم انعكاس مقتطفات من كلمات رئيس الحكومة آنذاك في وسائل الإعلام، بما في ذلك الصحف الرئيسية، وأصبحت مادة لكتّاب الأعمدة وموضوعاً للأخبار في وسائل الإعلام الداخلية لعدة أيام.

بعد أسبوعين، أصبح خبر أسر محمد جواد تندگویان، وزير النفط في جمهورية إيران الإسلامية، إلى جانب عدد من مرافقيه، بمن فيهم أحد نوابه، سيد محسن يحياوي، مسؤولية جديدة على عاتق صحافة البلاد، ولسنوات عديدة متتالية، كان هذا الخبر أحد العناوين الرئيسية في الصفحة الأولى لمعظم المطبوعات اليومية؛ كما تم إنتاج ونشر عشرات الأخبار والتقارير والمقابلات حول هذا الموضوع، وكان الموضوع المحوري لمعظم المواد المنشورة هو مسؤولية نظام البعث والمنظمات الدولية المعنية عن حياة الأفراد الذين تم احتجازهم كرهائن[٤].

بعد انحسار الموجة الإخبارية لأسر وزير النفط، في ۱۰ فروردين ۱۳۶۰ هـ.ش (۳۰ مارس ۱۹۸۱ م)، نُشر خبر موجز في صحيفة كيهان حول الجهود المبذولة لتبادل الأسرى الإيرانيين الجرحى والمعاقين مع الأسرى العراقيين، وفي ۲۷ خرداد و۵ شهريور من نفس العام، نُشرت أخبار عن إطلاق سراح وتبادل عدد من الأسرى المصابين والمرضى الإيرانيين، مع مجموعة من الأسرى العراقيين، في مناسبتين. عقب إطلاق سراح هذه المجموعة من "الأحرار"، قامت صحيفة صباحية، "جمهوري إسلامي"، وصحيفة مسائية، "اطلاعات"، بنشر ذكرياتهم على شكل مسلسلات. في هذه المرحلة، انضمت المجلات الأسبوعية "سروش" و"شاهد"، والشهرية "صف" و"باسدار إسلام"، إلى الصحف، وكشفت عن السلوك غير الإنساني لنظام البعث تجاه الأسرى الإيرانيين. في نفس الفترة، دُعي رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إيران للاستماع إلى أقوال الأسرى الإيرانيين المفرج عنهم، والذين كان ثلثهم على الأقل من المدنيين العاديين في المدن والقرى الحدودية، وذلك بناءً على دعوة من رئيس جمعية الهلال الأحمر. وفي نفس الوقت مع حضوره في طهران، نشرت الصحافة مواد موثقة عن سوء معاملة الأسرى الإيرانيين، وطبعت بشكل منسق صوراً لامرأة عجوز تم أسرها من قبل القوات العراقية كأسيرة حرب، وكانت ضمن الأسرى الذين تم تبادلهم[٤].

رغم سماع أقوال الأسرى الإيرانيين المفرج عنهم حديثاً ومشاهدة أدلة عينية كثيرة تؤكد انتهاك قرارات الاتفاقيات الدولية فيما يتعلق بطريقة التعامل مع أسرى الحرب، إلا أن رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم يبدِ أدنى موقف تجاه السلوك غير الإنساني لنظام البعث مع الأسرى الإيرانيين. هذا الصمت المريب وفر، في الواقع، فرصة كبيرة لاستمرار جرائم نظام بغداد، كما مهد الطريق لعدم ثقة المسؤولين والنخب في البلاد بصدق وحيادية المؤسسات الدولية. وبالطبع، تسلل هذا التصور إلى المنظومة الدعائية للبلاد، بما في ذلك الصحافة الداخلية، وتبع ذلك توجه العلاقات الإيرانية مع المؤسسات الدولية، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نحو البرود، ودخلت مرحلة جديدة استمرت تقلباتها حتى نهاية الحرب. وبالتوازي مع هذا السلوك، لم تنشر وسائل الإعلام العالمية الشهيرة إلا القليل من الأخبار المتعلقة بتعذيب الأسرى الإيرانيين والانتهاك الصارخ للقوانين الدولية، متبعةً بذلك نهج الصليب الأحمر بصمتها.

وعقب هذا الحدث، ومن أجل كسر حاجز الصمت الإعلامي، قامت هيئة الدعاية الحربية بدعوة عدد من وسائل الإعلام الغربية واسعة الانتشار ومن دول المنطقة لزيارة إيران والاطلاع على الحقائق عن قرب، والقيام بخطوة لتقديم الوجه الحقيقي لنظام البعث. وبالتزامن مع ذلك، قام المجلس الأعلى للدفاع بإطلاق سراح عدد من الأسرى العراقيين المعاقين والمرضى بشكل أحادي الجانب، ووفّر الظروف التي تسمح للأسرى العراقيين بزيارة عائلاتهم في معسكرات احتجازهم. كان الهدف من هذه الإجراءات، في حال انعكاسها إعلامياً بشكل مطلوب على المستوى العالمي، هو كسر الأجواء الدعائية ضد إيران، مما قد يؤدي إلى تقليل حدة سوء معاملة نظام البعث للأسرى الإيرانيين. ورغم أن استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية حظيت بدعم شامل من الصحافة الداخلية، حيث تم تسليط الضوء على أبعادها عبر تقارير متنوعة وخاصة تقارير مصورة، إلا أنها لم تجد صدىً كبيراً في المنشورات الخارجية[٤].

مواجهة خدعة النظام العراقي الجديدة

من ناحية أخرى، لجأ نظام بغداد إلى مناورة دعائية جديدة للتقليل من شأن الإجراءات الإنسانية الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالإفراج الأحادي عن الأسرى العراقيين المرضى؛ حيث قام بدعوة صحفيين ومصورين من دول مثل الهند وباكستان واليونان وفرنسا وإيطاليا وغيرها، محاولاً مواجهتهم بأسرى إيرانيين من اليافعين. وسعى من خلال نشر خط دعائي مفاده أن أساس الحرب بين إيران والعراق هو رغبة إيران في توسيع نفوذ الأفكار الدينية الثورية في المنطقة، وأنها تستخدم طلاباً صغار السن لتحقيق هذا الهدف، إلى حشد الرأي العام ضد إيران. كان هذا الخط الدعائي من شأنه أن يضع نظام البعث في بؤرة اهتمام الدول الغربية والعربية كخط دفاع أول ضد تصدير الثورة الإسلامية، مما قد يمنحه دعماً سياسياً وعسكرياً.

إلا أن خدعة نظام البعث، التي استهدفت النيل من الدفاع الوطني ومشروعية الشعب الإيراني، لم تمر دون رد؛ حيث قامت هيئة الدعاية الحربية باتخاذ إجراء مضاد وخططت لمحاولة ذكية لتنوير الرأي العام على نطاق واسع، لعبت فيه الصحافة الداخلية دوراً محورياً. ومن خلال تخصيص جهد وحجم كبيرين، صممت الصحافة المحلية ونفذت محاور متنوعة، كان من بينها تحويل سوء معاملة نظام البعث للأسرى الإيرانيين إلى قضية إعلامية، والتأكيد على انتهاك نظام بغداد لبنود اتفاقية جنيف المتعلقة بحقوق أسرى الحرب[٤].

ومن المحاور الأخرى التي صممتها ونفذتها الصحافة المحلية في تلك المرحلة، كان التساؤل حول لامبالاة اللجنة الدولية للصليب الأحمر تجاه سلوكيات نظام البعث المتناقضة مع الأنظمة الدولية تجاه الأسرى الإيرانيين. وفي هذا السياق، طالبت صحيفة "اطلاعات" عبر مقال مؤثر هذه اللجنة بنشر تقرير عن زيارات ممثليها لمعسكرات الأسرى الإيرانيين في العراق، وعدم دعم جرائم نظام البعث بصمتها المنحاز. وفي هذا المقال، استُخدم لفظ "الأحرار" لأول مرة للإشارة إلى الأسرى الإيرانيين[٤].

واستمراراً في الموجة التي أحدثتها الصحافة المحلية، تظاهر ۵۰۰ شخص من عائلات الأسرى أمام تمثيلية اللجنة الدولية للصليب الأحمر مطالبين هذا الكيان باتخاذ إجراءات جادة تماشياً مع مهامه الجوهرية. وبالتوازي مع هذه الحركة، نشرت صحيفة "كيهان" تقريراً صادماً عن أعمال التعذيب الوحشية ضد الأسرى الإيرانيين المسجونين في العراق، وكشفت من خلاله أن القوات العراقية التابعة لنظام البعث، أثناء احتلال المدن الحدودية، قد أخذت معها المعاقين والعاجزين الذين لم يتمكنوا من الفرار كأسرى حرب[٤]. وفي ظل هذه الظروف، وبعد فترة صمت طويلة، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر رسمياً أن نظام البعث يمتنع عن إظهار الأسرى الإيرانيين لممثليها، وأن هناك ۷۴ أسيراً إيرانيًا مدنيًا محتجزين في سجن واحد في بغداد فقط[٤].

إن موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تلك المرحلة هيأ الظروف الملائمة لخروج الجمهورية الإسلامية الإيرانية من حالة المقاطعة الإخبارية التي فرضتها وسائل الإعلام العالمية، وأتاح للمسؤولين في البلاد فرصة لتوسيع نطاق أنشطتهم الإعلامية العابرة للحدود. في هذه الفترة، كُلفت هيئة الدعاية الحربية بدعوة صحفيين من مطبوعات واسعة الانتشار من عدة دول آسيوية وأوروبية لمشاهدة وضع الأسرى العراقيين الموجودين في معسكرات إيران، ومقارنة وضعهم بظروف الأسرى الإيرانيين المحتجزين في العراق. وقد آتت هذه الخطوة الإيرانية ثمارها؛ فبعد انعكاس تقارير إيجابية عن التعامل الإنساني للجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الأسرى العراقيين في بعض الصحف الأجنبية، اضطر نظام البعث إلى اتخاذ موقف دفاعي، حيث قام، في خطوة غير مسبوقة وتناقضية تهدف إلى إظهار وجه إنساني، بالإفراج لأول مرة عن ۱۰۰ شخص من "الأحرار" الإيرانيين المرضى والمعاقين[٤].

أما على الصعيد السياسي، وردّاً على تصريحات ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن احتجاز أسرى مدنيين وإخفاء الأسرى الإيرانيين من قبل نظام البعث، رفضت حكومة بغداد استقبال وفد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لفحص وضع الأسرى الإيرانيين. وفي مناورة استعلائية، مدعومة من القوى الكبرى، أجبر نظام البعث اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إعداد تقرير جديد، ولكنه كان بالطبع ناقصاً ومنحازاً. وعقب صدور هذا التقرير الجديد، وجهت وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطاباً رسمياً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، طالبت فيه بتصحيح تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر بناءً على الحقائق الواقعية[٤]. في هذه المرحلة، تدخلت الصحافة الداخلية مرة أخرى، ومن خلال طرح المطالب المشروعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أحدثت موجة إخبارية مؤثرة تجاه الإجراء الأحادي الذي اتخذته اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وبالتزامن مع هذه الإجراءات، وفي إطار متابعة شكاوى عائلات الأسرى والمفقودين، تم تشكيل لجنة تقوم بتقديم شكاوى العائلات كوثائق قانونية قابلة للملاحقة إلى المؤسسات الدولية. كما أصدرت حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بياناً وجهته إلى بعثة الأمم المتحدة في العراق، طالبت فيه بضرورة استطلاع وتقديم معلومات واضحة عن وضع ۲۰ ألف مفقود و۷۸۰۰ أسير إيراني خلال مهمتها[٤]. ولم تكتفِ الحكومة الإيرانية بهذا الإجراء، بل قام نائب وزير الخارجية للشؤون الدولية بتوثيق حالات سوء معاملة نظام البعث للأسرى الإيرانيين، مؤكداً مجدداً على طلب إيران المقدم لبعثة الأمم المتحدة[٤].

من جانبها، ردت الصحافة العراقية على التحركات الإيرانية عبر نشر تقارير متعددة عن الخدمات المقدمة للأسرى الإيرانيين، بما في ذلك محو الأمية للأسرى الصغار، ولكن بأسلوب مغلف بتلميحات مهينة. ورداً على هذا التصرف، اقترح الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحفي، تبادل الأسرى الذين تقل أعمارهم عن ۱۶ عاماً والمعاقين، معلناً استعداد إيران لتحقيق المساعي الإنسانية[٤]. ورغم أن التغطية الإعلامية لهذا المؤتمر قد سحبت جزءاً من الزخم الدعائي من الجانب العراقي، إلا أن نظام البعث، في تصرف طفولي وعنيد، لجأ إلى مناورة القوة غير الأخلاقية عبر عرض الأسرى الإيرانيين الذين تم أسرهم في "عملية بدر" في شوارع بغداد. وقامت الصحف العراقية بإعداد ونشر تقارير وصور مفصلة عن مراسم "استعراض الأسرى". ومع تصاعد قضية "الأحرار"، تدخل رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك، منتقداً بشدة عدم متابعة المحافل الدولية لمصير الأسرى المدنيين المسجونين في العراق. وعقب هذا الموقف الصريح من أعلى سلطة سياسية في البلاد، نظمت هيئة الدعاية الحربية، بهدف إيصال كلمات الرئيس إلى أكبر قدر ممكن من وسائل الإعلام العالمية، مؤتمراً بحضور دبلوماسيين أجانب مقيمين في طهران وصحفيين محليين ودوليين، للتعري بمدى عدم إنسانية نظام البعث في تعامله مع الأسرى الإيرانيين[٤]. ومن أجل إبطال مفعول هذا الإجراء الإيراني، سارع نظام البعث إلى الإفراج عن ۳۰ أسيراً إيرانيًا معاقاً وسط ضجيج دعائي في وسائل الإعلام الداخلية، وأعلن عن وصول ۲۰۰۰ رسالة من عائلات الأسرى الإيرانيين.

وفي إطار التنافس المحموم للسيطرة على الرأي العام العالمي بين الصحافة الإيرانية والعراقية، وبمبادرة من رئيس الوزراء آنذاك، تم تشكيل مركز عابر للحدود لمتابعة القضايا الإنسانية المتعلقة بالأسرى، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتخفيف آلام الأسرى الإيرانيين، وذلك بحضور عائلات الأسرى والمفقودين؛ ليعمل هذا المركز ككيان غير حكومي يتولى متابعة مطالب ذويهم[٤].

في هذه المرحلة، يُعد تقرير صحيفة "الغارديان" عن معسكرات الأسرى المقاتلين الإيرانيين في العراق من بين المواد القليلة التي انعكست في الصحافة الغربية، حيث تناول بلهجة هادئة جزءاً من الحقائق المتعلقة بحياة الأسرى الإيرانيين في المعسكرات. وفي ظل ظروف كانت فيها معظم وسائل الإعلام الغربية واقعة تحت تأثير البروباغندا الإعلامية لنظام البعث وخصوم إيران الآخرين، حاولت الصحيفة الحفاظ على حياديتها. وليس من المستبعد أن يكون الإفراج عن ۲۹ أسيراً إيرانياً من المعاقين والمرضى، والذي تم من جانب واحد من قبل نظام البعث فور نشر تقرير صحيفة "الغارديان"[٥]، نتيجةً لهذا التقرير. وعلى أية حال، ونتيجة للمراجعات المستمرة من قبل عائلات الأسرى والمفقودين الإيرانيين ومطالباتهم للجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل، وبالتوازي مع الإجراءات الفعالة لجمعية الهلال الأحمر والدبلوماسية الإيرانية، جنباً إلى جنب مع جهود الصحافة المحلية، صرّحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نهاية المطاف، من خلال تقرير لها، بأن نظام البعث قد انتهك اتفاقية جنيف فيما يتعلق بطريقة التعامل مع أسرى الحرب[٤].

ورداً على هذا البيان، ومن أجل إظهار حسن النية، سارعت الحكومة الإيرانية على الفور بالإفراج عن مجموعة من الأسرى العراقيين، وطالبت في الوقت ذاته اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمتابعة قضية إخفاء الأسرى الإيرانيين وعدم ردّ الأسرى المدنيين من قبل الطرف العراقي. وفي تلك الأيام، قام نظام البعث بدوره، في حركة استعراضية، بالإفراج عن ۵۵ أسيراً إيرانيًا[۵]. وعقب هذه التطورات، أرست إيران أسساً جديدة للعلاقات قائمة على حسن الظن والتفاعل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكان أول انعكاس لذلك هو إعادة افتتاح مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في طهران بعد فترة من العلاقات التي اتسمت بالتوتر والبرود.

كما رحّب الدكتور دستجردي، الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر الإيراني آنذاك، بهذا المناخ الجديد، وطالب بتبادل جميع الأسرى المعاقين وكبار السن من إيران والعراق دفعة واحدة وبوساطة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وفي هذا السياق، أعدّ سكرتير المجلس الأعلى للدفاع خطة لهذا الغرض وقدمها للتنفيذ[٤]. وبالتوازي مع المتابعات الجادة والمستمرة للمواضيع المتعلقة بالأسرى الإيرانيين في إطار العلاقات الدبلوماسية، قدمت الحكومة في خريف عام ۱۳۶۶ هـ.ش (۱۹۸۷ م) مقترحاً شاملاً إلى مجلس الشورى الإسلامي، يهدف إلى حل المشكلات المادية والاهتمام بالشؤون الرعائية لعائلات "الأحرار" والمفقودين، إلى جانب الفدائيين الآخرين، لضمان تقديم الخدمات لهذا القطاع من المجتمع المضحّي بطريقة أصولية ومنظمة[٤].

مجالات التبادل الجماعي للأسرى وانعكاس عودة "الأحرار" في الصحافة الوطنية

في أعقاب القرار التاريخي للإمام الخميني (قدس سره) القاضي بإنهاء الحرب الثمانية عبر الحل السياسي بدلاً من المسار العسكري، قبلت إيران رسمياً بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ۵۹۸ في ۲۷ تير ۱۳۶۷ هـ.ش (۱۸ يوليو ۱۹۸۸ م)، أي بعد عام واحد من صدوره، ونشرت الخبر في أول نشرة إخبارية عبر الإذاعة والتلفزيون.

وعلى الرغم من قبول قرار مجلس الأمن، إلا أن نظام البعث -ورداً على قبول إيران للقرار- رفض الالتزام باتفاقه المسبق، متذرعةً بالتفوق العسكري الإيراني وقت صدور القرار والأثر المعنوي لهذا التفوق على بنود القرار. وشرعت بغداد في تحركات عسكرية واسعة النطاق، مستأنفةً هجماتها البرية والجوية ضد إيران. وقد سعت القوات العراقية التابعة لنظام البعث، من خلال توسيع الهجمات الجوية ضد الأهداف الاقتصادية في المدن والسفن التجارية في الخليج العربي، وتنظيم غارة شاملة ومباغتة من الغرب والجنوب نحو عمق أراضي إيران في ۳۱ تير ۱۳۶۷ هـ.ش، إلى محاولة إنهاء الحرب لصالحه كتعويض عن سنوات الحرب المهينة. ونتيجة لذلك، ورغم أن هذه الهجمات واجهت رداً حاسماً من المقاتلين الإيرانيين، إلا أنها تسببت بالإضافة إلى الخسائر المادية والمعنوية الفادحة، في أسر نحو ۱۰ آلاف جندي إيراني، في محاولة للوصول إلى مستوى توازن في أعداد الأسرى. وفي نهاية المطاف، ومع مشاهدة نظام البعث للنهضة الإيرانية الواسعة، ورغبةً منه في الحفاظ على قدراته العسكرية وإدراكاً لعدم جدوى استمرار أعمال العدوان، قبل نظام بغداد وقف إطلاق النار بعد شهر واحد، في ۲۸ مرداد ۱۳۶۷ هـ.ش، وأنهى تحركاته العسكرية الكبرى.

ومع إقرار وقف إطلاق النار، وضمن إطار تنفيذ بنود القرار الدولي، تم تشكيل لجان مختلفة تحت إشراف الأمم المتحدة، وعُيِّن "عطاء الله مهاجراني" من قبل إيران مسؤولاً عن لجنة الأسرى. بدأت الجولة الأولى من المفاوضات بين إيران والعراق تحت إشراف "يان إلياسون"، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، في ۳ شهریور ۱۳۶۷ هـ.ش في جنيف، وواجهت منذ البداية خلافات حول أولويات كل طرف. فقد طالب نظام البعث ببدء عمليات تجريف شط العرب وإتاحة الملاحة فيه قبل اتخاذ أي إجراء آخر، وذلك للخروج سريعاً من حالة الانسداد البحري وإصلاح أوضاعهم الاقتصادية. أما إيران، فقد شددت على أولوية الانسحاب الكامل للقوات العراقية من الأراضي الإيرانية وتبادل الأسرى وفقاً لترتيب بنود القرار، معتبرةً هذين المطلبين مقدمين على مسألة تجريف شط العرب. وبناءً على ذلك، انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بالفشل بعد أسبوعين دون التوصل إلى اتفاق[٦]. وفي غضون ذلك، وأثناء مفاوضات جنيف، وفي ظل تنفيذ وقف إطلاق النار ووجود أفراد الجيش الإيراني في المنطقة دون سلاح، قامت القوات العراقية التابعة لنظام البعث في خطوة مباغتة وتتعارض مع كافة المعايير الدولية، بأسر ۶۰۰ فرد من الجيش الإيراني، في محاولة للضغط وتحصيل مكاسب في مفاوضات السلام.

بدأت الجولة التالية من المفاوضات في ۱۰ مهر ۱۳۶۷ هـ.ش، انطلقت أولاً في نيويورك ثم استُكملت في جنيف، واستمرت حتى أوائل عام ۱۳۶۹ هـ.ش (۱۹۹۰ م)، إلا أنها لم تسفر عن أي نتائج مرضية. فقد كان طرح القضايا الجانبية والمطالبة بمكاسب من قبل الطرف العراقي، بهدف تحقيق الأهداف السياسية التي عجز عن نيلها عبر الحرب، هو العائق الأساسي أمام الوصول إلى نتيجة مُرضية.

في هذه المرحلة، تحوّل المناخ الإعلامي العالمي جزئياً لصالح إيران؛ حتى أنه في مرحلة ما (في شهر مهر لعام ۱۳۶۷ هـ.ش)، صدرت أوامر من الملك فهد، ملك السعودية، بمنع وسائل الإعلام في بلاده من التحريض ضد إيران، بعد أن كانت خلال سنوات الحرب من أبرز الداعمين الإعلاميين لنظام بغداد[٧]. وبناءً على ذلك، حظيت مواقف الوفد الإيراني في إطار مفاوضات السلام بصدى إيجابي في وسائل الإعلام المؤثرة. تمحورت الجهود الاستراتيجية للوفد الإيراني في هذه الفترة حول إرساء سلام عادل ومستدام في المنطقة، وإزالة العقبات أمام عودة أكثر من ۱۰۰ ألف أسير إيراني وعراقي إلى أحضان عائلاتهم في أقصر وقت ممكن؛ وهي استراتيجية كانت تهدف إلى تنفيذ البنود الأولية للقرار الدولي، مما لاقى ترحيباً ودعماً من الرأي العام العالمي. وامتد هذا الزخم ليشمل دول المنطقة أيضاً، حيث طالب البيان الصادر عن الاجتماع الثامن عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية في الرياض -والذي عُقد بالتزامن مع مفاوضات السلام- بتبادل أسرى الحرب بين البلدين في أسرع وقت ممكن وفقاً للفقرة الثالثة من القرار.

وفي ظل هذه الظروف، طالب الطرف العراقي -الذي كان واقعاً تحت ضغط الرأي العام وبعض الأوساط السياسية- بتبادل جميع الأسرى بشكل أحادي قبل اتخاذ أي إجراء آخر. كانت هذه المناورة تهدف إلى تخفيف وطأة الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان عن كاهل نظام البعث وتسهيل عبوره من الأزمة التي كانت تواجهه؛ حيث كان العراق يطرح مقايضة يتنازل فيها عن ۴۰ ألف أسير مقابل الحصول على ۶۰ ألف أسير، وبذلك ينهي ملف الأسرى دون تحمل أي ضغوط أو تكاليف. والمفارقة أن هذا الطلب جاء في وقت كانت فيه نظام البعث يخفي عدداً كبيراً من الأسرى الإيرانيين ويمنع تسجيلهم لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ومن أجل إثبات عدم صدق العرض العراقي، طرح وفد السلام الإيراني مقترحاً يقضي بالإفراج المتزامن عن جميع أسرى الحرب من الطرفين مقابل الانسحاب إلى الحدود الدولية المعترف بها، إلا أن هذا المقترح قوبل بتجاهل من الجانب العراقي.

وفي ظل هذه الظروف، ورغم تجاوز عقود الحرب وعدم الاستقرار والبدء في مرحلة التنمية والازدهار، استمرت الصحافة الوطنية في جعل تداعيات الحرب المفروضة أحد أولوياتها، حيث تولت تغطية ومتابعة الأخبار والقضايا المتعلقة بها بمسؤولية عالية. ففي الفترة الممتدة من قبول القرار ۵۹۸ (تير ۱۳۶۷ هـ.ش) حتى وصول آخر مجموعة من "الأحرار" في مجموعات كبيرة (شهريور ۱۳۶۹ هـ.ش)، نُشر أكثر من ۶۰۰ مادة إخبارية وتقرير وحوار ومقال في عدة صحف واسعة الانتشار، كانت مخصصة لموضوع الأسرى، وكان جوهر محتواها غالباً هو دعم مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية المحقة بشأن قضية الأسرى[٨].

وقد ركزت الصحافة الوطنية في إنتاجها للمحتوى على عدة محاور تهدف إلى إنهاء معاناة الأسرى وعائلاتهم، وتوضيح مكانتهم الاجتماعية، وتكريم نماذج الصبر والثبات، مقدمةً بذلك دعماً للوفد الإيراني المفاوض في جنيف نيابة عن الرأي العام. ومن أبرز هذه المحاور التي حددتها الصحافة وتابعتها بشكل منسق ومستمر: "كشف الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها نظام البعث وسلوكه المخالف لاتفاقية جنيف بشأن التعامل مع أسرى الحرب"، "الضغط على اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسجيل جميع الأسرى الإيرانيين"، "خلق موجة إعلامية ضد التعنت العراقي في المفاوضات الثنائية"، "التأكيد على استمرار مفاوضات السلام في إطار القرار وتحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة"، و"الاستعجال في تبادل الأسرى المرضى والمعاقين".

وفي هذا السياق، قامت صحيفة "الجمهورية الإسلامية" في شتاء عام ۱۳۶۷ هـ.ش بنشر مذكرات الأسرى الذين أُطلق سراحهم سابقاً في زاوية خاصة تحت عنوان "قصة الأسر"، والتي ركزت على تصوير السلوك غير الإنساني لنظام البعث مع الأسرى الإيرانيين. كما سعت الصحيفة إلى جمع وثائق فعالة تتعلق بتجاهل نظام البعث لحقوق الإنسان عبر رصد تصريحات المسؤولين العراقيين وما تنشره وسائل الإعلام العراقية. وفي هذا الصدد، عندما صرح "عاصم يعقوب"، سفير نظام البعث في الكويت، في مؤتمر صحفي بما يشير إلى عدم تسجيل عدد من الأسرى الإيرانيين، تم نقل الخبر فوراً في الصحافة المحلية ليصبح وثيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، ومادة دسمة لكتاب الأعمدة في الصحف المحلية ومحوراً للنقاشات القانونية مع الخبراء والمتخصصين في القانون الدولي (وقد نُشر هذا الخبر وتداعياته لأول مرة في وسائل الإعلام المحلية في ۲۸ آذر ۱۳۶۸ هـ.ش).

وفي هذه المرحلة، ونتيجة للتعنت المستمر من قبل الطرف العراقي، دخلت المفاوضات في حالة من الركود، لدرجة أن نصيحة "ميخائيل غورباتشوف"، الزعيم السوفيتي آنذاك، لصدام حسين لكسر هذا الجمود، لم تؤدِّ إلى أي نتيجة[٤].

كان نظام البعث في ذلك الوقت يرغب في مواصلة المفاوضات بشكل ثنائي ودون حضور ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك بهدف ممارسة سياسة الابتزاز من خلال الحصول على تنازلات، مثل الاحتفاظ بجزء من أراضي إيران وآلاف الأسرى الإيرانيين الذين لم يتم تسجيلهم. أما موقف إيران والأمين العام للأمم المتحدة، فكان يتمثل في التنفيذ الكامل للقرار الدولي ومواصلة المفاوضات بحضور ممثل الأمم المتحدة وفي إطار بنود القرار[٤]. وأخيراً، وصلت عراقيل الطرف العراقي إلى مرحلة دفع فيها "خافيير بيريز دي كويار"، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، بنظام البعث صراحةً، منتقداً تسببه في عرقلة وصول مفاوضات السلام إلى نتائج، ودعا الوفد العراقي إلى التوجه إلى نيويورك لاستئناف المفاوضات. إلا أن العراقيين لم يولوا ذلك أي اهتمام، وتركوا دعوته دون رد. هذا الأمر دفع الأمين العام للأمم المتحدة -رغم نهجه المتحفظ- إلى انتقاد نظام البعث، حيث صرح قائلاً:

«يؤكد مجلس الأمن على القرار ۵۹۸ كإطار لمفاوضات السلام بين إيران والعراق، وهو عازم وجاد على تنفيذه»[٤].

وفي ظل هذه الظروف، وعقب قرار نظام البعث بغزو الكويت، تشكل مسار جديد فيما يتعلق بمصير آلاف الأسرى الإيرانيين والعراقيين؛ فبعد ست جولات من المراسلات بين صدام والمسؤولين رفيعي المستوى في إيران، وخلال شهر واحد (من ۲۶ مرداد ۱۳۶۹ هـ.ش إلى ۲۶ شهریور من العام نفسه)، تمت عملية تبادل شملت ۳۷,۵۳۲ أسيراً إيرانياً مقابل ۳۷,۹۳۴ أسيراً عراقياً[٣]. وكان الجزء الأكبر من الأسرى الإيرانيين المفرج عنهم في هذه المرحلة (حوالي ۱۹ ألف شخص) من ضمن الأسرى الذين لم يتم تسجيلهم سابقاً[٤].

أحدث المسار غير المتوقع للإفراج عن الأسرى الإيرانيين في هذه المرحلة، والتي شكلت أكثر من ۸۳% من إجمالي عدد "الأحرار" في البلاد، موجة عارمة من الفرح والابتهاج في مختلف أنحاء الدولة. وقد ساهمت الصحافة، ولا سيما الصحف القطرية، في تعزيز أبعاد هذا الشعور بالبهجة والامتنان من خلال النشر اليومي للصور والتقارير المتنوعة التي توثق دخول الأحرار إلى أرض الوطن واستقبال الشعب لهم؛ لدرجة أن الأخبار والصور المنشورة في صفحات صحف تلك الحقبة أصبحت بمثابة ألبومات صور تذكارية في ذاكرة الإيرانيين، تربط أفراد الأمة ببعضهم البعض، وتوقظ في كل مرة يتم فيها الرجوع إليها شعوراً بالوحدة الوطنية.

ماراثون التنفس عن بقية "الأحرار" وتحديد مصير المفقودين

في الوقت الذي كان يُتوقع فيه عودة جميع الأسرى المحتجزين إلى أحضان الوطن في تلك المرحلة، فاجأ نظام البعث الجميع في ۲۷ شهریور ۱۳۶۹ هـ.ش بإعلانه أنه لا يملك أي أسير إيراني آخر، وبذلك أنهى عملية التبادل. جاء هذا التصرف في حين كان لا يزال هناك ما لا يقل عن ۳۰۰۰ أسير إيراني لم يتم تحديد مصيرهم بعد، علماً أن الكثير منهم كانت أصواتهم أو صورهم أو أسماؤهم قد ترددت في وسائل الإعلام العراقية[٣]. وفي مواجهة هذا السلوك من قبل نظام البعث، اتحدت الصحافة المحلية في نهجها، واضعةً مسألة الإفراج عن بقية الأسرى الإيرانيين على رأس أولوياتها، وعملت من خلال توجيه التدفق الإخباري والإعلامي على دعم الدبلوماسية والمفاوضات التي كان يديرها رجال الدولة مع الطرف العراقي. وبفضل هذا التعبئة الصحفية، ونتيجة لجهود المسؤولين، تم الإفراج عن ۴۱۵ أسيراً إيرانياً آخرين عبر ۹ مراحل حتى أواخر عام ۱۳۶۹ هـ.ش؛ حيث شملت إحدى هذه المراحل قيام نظام البعث بتبادل ۲۳۹ أسيراً إيرانياً كانوا يقضون عقوبات قضائية في سجون خارج معسكرات الأسرى. وفي شتاء العام نفسه، جاء "عزت إبراهيم الدوري"، نائب مجلس قيادة الثورة العراقية، على رأس وفد رفيع المستوى إلى طهران لتمهيد الطريق للإفراج أحادي الجانب -دون أي مقابل- عن جميع الأسرى العراقيين، بما في ذلك ۴۵۶۴ أسيراً دخلوا الأراضي الإيرانية خلال فترة دخول الولايات المتحدة في الحرب مع العراق والكويت. إلا أن المحادثات بين الطرفين لم تؤدِّ إلى نتائج مرضية، مما أدى إلى قطع العلاقات الثنائية وبرودها لفترة من الزمن.

وفي شهر تیر لعام ۱۳۷۰ هـ.ش (۱۹۹۱ م)، وقبيل إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أن نظام البعث هو من بدأ الحرب، دخل وفد عراقي إلى إيران بذريعة تطبيع العلاقات، ولكن بهدف استعادة طائراتهم التي كانوا قد أحضروها إلى إيران أثناء الحرب مع الكويت، حيث قدموا خمسة أسرى إيرانيين كبادرة حسن نية. ورداً على طلب الطرف العراقي، أصرت السلطات الإيرانية على ضرورة إجراء مفاوضات ثلاثية، مطالبةً باستئناف عملية الإفراج عن الأسرى وتحديد مصير المفقودين، وفي المقابل، قامت إيران بالإفراج عن ۱۰۰ أسير عراقي بشكل أحادي الجانب.

عودة جثمان الشهيد تندگویان

خلال عمليات العودة الجماعية لـ "الأحرار"، كان الجميع يترقب عودة محمد جواد تندگویان، وزير النفط في حكومة الشهيد رجائي. وقد انعكس في الصحافة الوطنية خبر استقالة غلام رضا آقازاده، وزير النفط في الحكومة آنذاك، نتيجة لهذا الاحتمال. ولكن مع عودة آخر مجموعة من الأسرى، تحولت الآمال تقريباً إلى يأس؛ فحتى تقارير الأسرى الكويتيين المفرج عنهم من معسكرات بغداد، والتي تحدثت عن بقاء المهندس تندگویان على قيد الحياة، لم تنجح في إشعال بصيص من الأمل. ومع ذلك، شكّل نشر هذه الأخبار مادة دسمة لكُتّاب الأعمدة في الصحافة، لتذكير العالم بالمسؤولية القانونية لنظام البعث تجاه عملية الاختطاف هذه. وبالتزامن مع ذلك، أصدر مكتب تمثيل إيران في الأمم المتحدة بياناً طالب فيه بالإفراج عن بقية الأسرى، ودعا المحافل الدولية للتحقيق في قضية اختطاف محمد جواد تندگویان في الأيام الأولى من الحرب. وقد أدت الضغوط الإعلامية، المتناغمة مع التحركات الدبلوماسية، إلى دفع المجتمع الدولي لإبداء رد فعل تجاه مطالب الشعب والمسؤولين في إيران؛ فكان أول رد فعل من "خافيير بيريز دي كويار" هو قوله: «سأبذل جهداً شخصياً في هذا الشأن». وكنتيجة لهذا التصريح، نُشر خبر عودة جثمان الشهيد تندگویان على الصفحة الأولى للصحف الوطنية بعد أيام قليلة، لتُسجل مظلومية أخرى في تاريخ الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات.

لقد مهدت عودة جثمان الشهيد تندگویان الطريق لترسيخ اعتقاد عام بأن عدداً من الأسرى المتبقين في العراق قد استُشهدوا، وأنه لا ينبغي انتظار عودتهم أحياء. وقد ساهمت الصحافة، بشكل غير مباشر، في تعزيز هذا التصور لتهيئة المجتمع -ولا سيما العائلات المنتظرة- لتقبل هذه الحقيقة المرة. من ناحية أخرى، أتاحت هذه الظروف إرسال وفد إيراني برئاسة محمد جواد ظريف إلى بغداد لتشكيل لجنة للبحث عن جثامين الشهداء وتبادلها تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وعقب هذه المفاوضات، وبفضل تدابير هيئة الأركان المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، شُكلت لجنة خاصة للبحث عن جثامين شهداء الحرب، وهي اللجنة التي لا تزال أعمالها مستمرة حتى الآن، حيث تم البحث عن جثامين العديد من الشهداء في العراق ونقلهم إلى إيران. وفي إحدى هذه الحالات، وبحسب ما نقل صحفي غربي، تم اكتشاف جثامين ۵۴ شهيداً إيرانياً في مقبرة جماعية، أظهرت الأدلة أنهم قد أُعدموا فور اعتقالهم وأيديهم مصفدة[٤].

المواجهة الإعلامية بين الصحافة الإيرانية والعراقية

يمكن وصف عام ۱۳۷۳ هـ.ش (۱۹۹۴ م) بأنه "عام الحرب الإعلامية" بين الصحافة الإيرانية والعراقية. في ذلك العام، تبادل رجال الدولة في كلا البلدين الاتهامات، حيث اتهم كل طرف الآخر بالاستهتار والتقصير في تحديد مصير الأسرى والمفقودين. وبالطبع، كانت الصحافة في كلا البلدين هي المصدر والمحرك لمثل هذه التصريحات. وقد حاول نظام البعث، من خلال تسييس قضية إنسانية، تحقيق مكاسب دعائية تهدف إلى تهميش سلوكه غير الإنساني تجاه الأسرى الإيرانيين؛ إذ ادعى نظام البعث أن إيران تحتجز ۲۰,۰۰۰ أسير عراقي وتمنع الإفراج عنهم. وفي المقابل، أكدت إيران أنها كانت تسمح لممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بعد كل عملية، بتسجيل جميع الأسرى العراقيين، ولم يرد أي تقرير يفيد بفقدان حتى أسير عراقي واحد. ومن الجدير بالذكر أن الجانب العراقي لم يستطع أبداً تقديم قائمة كاملة بالعدد الذي ادعاه إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كما تجدر الإشارة إلى أن ۷,۶۳۴ من الأسرى العراقيين كانوا قد لجأوا إلى إيران، وأعربوا في مقابلات فردية مع مسؤولي اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن رغبتهم في البقاء في إيران ورفضوا العودة.

وعلى النقيض من ذلك، قدمت إيران قائمة كاملة تضم أسماء وبيانات ۳۰,۰۰۰ أسير إيراني لم يتم تسجيلهم أو فُقد أثرهم، مرفقة بالوثائق التي تثبت وجود أعداد كبيرة منهم في العراق، ووضعتها تحت تصرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. واستندت الوثائق الإيرانية إلى تصريحات شخصيات مثل "سعدون حمادي"، مستشار وزير خارجية نظام البعث آنذاك، في حواره مع إذاعة البصرة، حيث صرّح صراحةً بوجود أكثر من ۵۰,۰۰۰ أسير إيراني في المعسكرات العراقية. علاوة على ذلك، كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تمتلك نسخاً من تسجيلات صوتية وصور لـ ۱,۱۸۱ أسيراً إيرانياً، سبق وأن بُثت عبر التلفزيون الرسمي العراقي أو نُشرت مقابلاتهم وصورهم في الصحافة العراقية، في حين لم يكن الجانب العراقي قادراً على تقديم إجابات سوى عن ۳۳ شخصاً فقط منهم. كما أضيف إلى ذلك وجود ۶۷ أسيراً تم أسرهم من قبل القوات العراقية التابعة لنظام البعث في الأراضي الإيرانية بعد انتهاء الحرب، ورغم إجراء مقابلات فردية معهم من قبل ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن نظام البعث أنكر وجود مثل هؤلاء الأفراد في العراق.

وفي نهاية عام ۱۳۷۳ هـ.ش (۱۹۹۴ م)، وعلى الرغم من تعاون إيران الصادق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وشفافيتها المستمرة بشأن وضع الأسرى العراقيين (والعكس صحيح)، إلا أن تعنت الجانب العراقي وإخفاءه للمعلومات دفع مجلس الأمن الدولي -استناداً إلى تقرير رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي الذي أُعدَّ تحت تأثير الصحافة العراقية العربية وقُدم للمجلس عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر- إلى إدانة كل من إيران والعراق معاً، بسبب عرقلة الخطط الإنسانية والسلوك المتعارض مع أهداف القرار الدولي. وقد استند مجلس الأمن في إدانته لإيران إلى عبارة "أسير مقابل أسير" التي نُسبت إلى "محمد علي نظران"، الرئيس السابق للجنة الأسرى، في حين أنه كان قد توفي قبل عام من ذلك، وكان العميد "عبد الله نجفي" هو من يتولى رئاسة اللجنة بدلاً منه.

أدى تعاون اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إصدار بيان مجلس الأمن إلى قيام إيران، لفترة من الوقت، بقطع علاقتها مع اللجنة ورفض استقبال ممثليها، مفضلةً المضي قدماً في المفاوضات بشكل ثنائي. وبناءً على هذا القرار، توجه وفد برئاسة العميد عبد الله نجفي إلى بغداد للتفاوض مع الجانب العراقي. ونتيجة لهذه المفاوضات، اتفق الطرفان على متابعة المباحثات من خلال أربع لجان مستقلة هي: "شؤون الأسرى المتبقين"، "اللاجئين"، "البحث عن الجثامين"، و"المسائل الحدودية".

خبر بقاء الطيار لشکری بعد ۱۵ عاماً

لسنوات طويلة، لم تكن هناك أي أنباء عن وضع الطيار "حسين لشکری"، حيث كان يُحتجز في زنزانة بعيداً عن الأنظار. لقد تعمد نظام البعث إبقاء الطيار لشکری على قيد الحياة بهدف استخدامه يوماً ما كدليل على أن إيران هي من بدأت الحرب! ولكن بعد إعلان الأمم المتحدة رسمياً أن نظام البعث هو من بدأ الحرب، وفشل هذه الحيلة، قام نظام البعث، ولأول مرة في شهر أيار (مايو) ۱۳۷۴ هـ.ش (۱۹۹۵ م)، بالكشف عن أسر الطيار لشکری علناً وسمحت للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارته.

ومع انتشار خبر بقاء لشکری على قيد الحياة، اندلعت موجة جديدة في الصحافة الوطنية، حيث سعت كل وسيلة إعلامية لجمع أكبر قدر من المعلومات حول "أقدم أسير في الأسر". واستجابةً لاحتياجات المجتمع، أجرت صحيفة "الجمهورية الإسلامية" مقابلة مع عائلته، واستخدمت عنواناً عاطفياً مؤثراً: «الانتظار الذي دام ۱۷ عاماً»، في إشارة إلى عمر ابنه الوحيد الذي حُرم من ظل والده منذ فجر حياته، مما أضفى مسحة من الشجن على الأجواء العامة.

في ظل هذه الظروف، نشطت مساعٍ جديدة تتعلق بالإفراج عن الأسرى، وكان المسؤولون يقومون بين الحين والآخر بالإفراج عن مجموعات من الأسرى العراقيين من جانب واحد لتهيئة الأجواء لإطلاق سراح لشکری. إلا أن الجانب العراقي، وبسبب اندلاع "انتفاضة" في العراق وخوفاً من انضمام الأسرى العراقيين (الذين كان معظمهم من الشيعة) إلى تلك الانتفاضة، لم يبدِ أي رغبة في الإفراج عنهم في تلك الفترة، وبالتالي لم تظهر أي بوادر للإفراج عن الطيار لشکری.

الموجة الثانية من الحرب الدعائية ضد إيران

شنت نظام البعث، بدعم من عناصر من منظمة "مجاهدين خلق"، حملات دعائية واسعة في الصحف العراقية والعربية، وحتى الأوروبية، تتهم إيران بعدم التزامها بالمبادئ الإنسانية. وكان المحور الأساسي لهذه الدعاية هو ادعاء عدم إفراج إيران عن الأسرى العراقيين في ظل غياب "مقايضة" متبادلة. وقد نجح نظام البعث عبر هذا السلاح الدعائي في حشد جزء من الرأي العام العالمي ضد إيران. في تلك المرحلة، كان الجانب العراقي يتفوق على إيران في الوصول إلى وسائل الإعلام العابرة للحدود، مما جعله "المنتصر" في معركة الإعلام.

ومن أجل تغيير ميزان القوى والسيطرة على المناخ الدعائي، قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناسبتين بالإفراج من جانب واحد عن ۸۷۴ أسيراً عراقياً، كان من بينهم ۲۴ مسيحياً. وقد ساهم الإفراج عن الأسرى المسيحيين، الذي تزامن مع ذكرى ميلاد السيد المسيح (ع)، في كسر حدة الدعاية ضد إيران وأحدث صدى واسعاً في الأوساط الإعلامية.

ورداً على هذه الخطوة، التقى "سوما روغا"، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بـ "سيروس ناصري"، الممثل الدائم للجمهورية الإسلامية الإيرانية في جنيف، في أجواء ودية، وصرح روغا قائلاً:

«إن ما قمتم به فيما يتعلق بالإفراج الأحادي عن الأسرى العراقيين هو خطوة جوهرية وجادة للغاية، ولكن لا تزال هناك مشكلة أساسية تتعلق بالأسرى الإيرانيين».

كانت هذه التصريحات تشير إلى اعتقاد أعلى سلطة دولية بعدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، وهو أمر كان يثير القلق في محله. ورد الممثل الدائم لإيران في جنيف قائلاً:

«عليكم أن تعلنوا عن هذا الرأي رسمياً وتتحملوا مسؤولية ذلك»،

إلا أن روغا امتنع عن ذلك. وهنا ذكّره ناصري بأنه إذا كان موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو عدم وجود أسرى إيرانيين في العراق، فإن أي أسير يُكتشف وجوده سيتعرض حياته للخطر بسهولة من قبل نظام البعث، وطالبه بالتدخل من منطلق إنساني للضغط على الجانب العراقي ليكون مسؤولاً عن مصير ما تبقى من الأسرى الإيرانيين. وعقب هذا اللقاء، قام "ميشيل كانيو" بزيارة إلى إيران ممثلاً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتعود العلاقات بين الطرفين إلى مسارها بعد فترة من الانقطاع.

عام التحول في وضع الأسرى

بدأ عام ۱۳۷۴ هـ.ش (۱۹۹۵ م) ببوادر تحول ملموس في ملف الأسرى. وكان إرسال وفد إلى بغداد برئاسة "علي خرم"، مستشار وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، هو فاتحة هذا التحول؛ حيث فُتحت أبواب المفاوضات من جديد، وجرى تتبع مسألة الإفراج عن الأسرى المتبقين في العراق، بالإضافة إلى تحديد مصير المفقودين واللاجئين. وخلال هذه الزيارة، التقى "خرم" بنظيره العراقي، وصرح في مؤتمر صحفي قائلاً:

«إن سياسة إيران تهدف إلى إيجاد حل جذري وعملي بدلاً من الجدل والمساجلات من أجل الإفراج عن الأسرى المتبقين لدى كلا البلدين؛ لأن قضية الأسرى هي قضية إنسانية بحتة».

وخلصت المفاوضات إلى اتفاق الطرفين على إعداد وتقديم قوائم بمطالباتهما، وهو ما كان في مصلحة إيران في نهاية المطاف؛ إذ كان الجانب العراقي يكتفي بالادعاء دون القدرة على تقديم قائمة حقيقية للأسرى المتبقين لديه في إيران، مما اضطره إلى تقليص أرقامه الفلكية. كما أدى هذا الإجراء إلى تجريد الإعلام العراقي من سلاحه الدعائي وتضييق نطاق مواضيعه، مما خلق أجواءً هادئة ومناسبة لمواصلة الحوار بهدف الوصول إلى حل عملي ومنصف. وبما أن مثل هذا الإجراء لم يكن قد اتخذ من قبل، فقد اعتبر خطوة هامة لحل القضايا المشتركة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والدعائية. ومن أبرز منجزات هذه الزيارة استمرار العمل من خلال أربع لجان مستقلة هي: "الأسرى"، "اللاجئين"، "البحث عن الجثامين"، و"المسائل الحدودية"، مما ساهم في تسهيل الإجراءات. وفي تلك الفترة، قامت الصحافة الوطنية بدعم إنجازات الوفد الإيراني، وأظهرت سعة صدر في التعامل مع مرحلة جديدة من التفاعل والتسامح في إطار السياسات العامة للنظام، سعياً لتهيئة الظروف للإفراج عن بقية الأسرى (كما ورد في صحيفتي "الجمهورية الإسلامية" و"سلام" بتاريخ 1374/۳/21 هـ.ش)[٤].

وفي ۱۹ أيلول (سبتمبر) ۱۳۷۴ هـ.ش، وصل وفد عراقي برئاسة "سعد عبد المجيد فيصل"، نائب وزير الخارجية العراقي، إلى طهران للتفاوض مع المسؤولين الإيرانيين. وأسفرت هذه المباحثات عن صياغة محضر اجتماع يتألف من ۷ مواد وقع عليها الطرفان. وبموجب هذا المحضر، اتفق الطرفان على تبادل قوائم الأسرى لتكون أساساً للإجراءات النهائية بعد المراجعة والتحقق، كما تقرر تشكيل لجنة فرعية أخرى لدراسة الملفات الخلافية بدقة، تمهيداً لتبادل كافة الأسرى المتبقين تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهكذا، تم التوقيع لأول مرة على اتفاقية مكتوبة بين البلدين تتعلق بالأسرى، لضمان تسجيل ادعاءات الطرفين بعيداً عن المبالغة. ورغم أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ فعلياً بسبب رفض الجانب العراقي تبادل قائمة أسرائه المدعى وجودهم، إلا أنها شكلت حجر الزاوية للمفاوضات اللاحقة.

اتسم نهج الصحافة الوطنية في هذه الفترة بدعم صناع القرار والمسؤولين التنفيذيين، ومن أبرز سمات أدائها آنذاك كان الاحتفاء بالمكانة الاجتماعية لـ "الأحرار" والتأكيد على أهميتهم في المجتمع الإيراني. وكان هذا التوجه يعكس جدية إيران في ملف الإفراج عن كافة الأسرى، ويُبرز اهتمام المسؤولين بإنهاء معاناة المحتجزين، وهو موقف كان جلياً للخبراء والمراقبين المحايدين. وفي المقابل، لم يكن نظام البعث في تلك المرحلة، وبسبب تداعيات "الانتفاضة الشيعية"، يرغبون في عودة أسرائهم (الذين كان معظمهم من الشيعة)، ولم يظهر منهم أي ترحيب بعملية تبادل الأسرى، باستثناء الإفراج عن مجموعة من الضباط التابعين لحزب البعث (كما توثق صفحات صحف "سلام"، "كيان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في تلك الفترة)[٤].

تكتيكات العراق الدعائية ومناورات جهاز الاستخبارات

في الوقت الذي كانت فيه الصحافة الإيرانية تتبع نهج "ضبط النفس" الذي تبناه المسؤولون الإيرانيون للحفاظ على مستوى العلاقات وتجنب التصعيد، شنّت الصحافة العراقية مرحلة جديدة من الهجوم أحادي الجانب ضد إيران. فقد عمد نظام البعث إلى التظاهر بالمظلومية، واتهام إيران بأنها الطرف المعرقل لتحرير بقية الأسرى. وفي هذا السياق، وبهدف إيجاد مادة دسمة لوسائل الإعلام التابعة له، قام نظام البعث بإرسال أربع رسائل متطابقة إلى كل من: الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والأمين العام لحركة عدم الانحياز، متهماً إيران بعرقلة مفاوضات الأسرى. وقد لقيت هذه الرسائل اهتماماً واسعاً وصخباً كبيراً في الصحف العراقية والوسائل الإعلامية المحسوبة على نظام صدام.

ولمواجهة هذا الزخم الدعائي الذي قاده الإعلام العراقي وحلفاؤه الإقليميون والغربيون، كثف "كمال خرازي"، الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، من عقد المؤتمرات الصحفية في نيويورك. وخلال هذه اللقاءات، وجه خرازي انتقادات لاذعة لسلوك نظام البعث، كاشفاً عن أسباب إطالة أمد المفاوضات وفشلها نتيجة ممارسات نظام البعث. وقد أحدثت هذه المؤتمرات تأثيراً إيجابياً ملموساً في الرأي العام الدولي، حيث ساهمت في كشف حقيقة الحملة الدعائية لنظام البعث.

انتقال ملف الأسرى إلى وزارة الاستخبارات العراقية

في منتصف عام ۱۳۷۵ هـ.ش (۱۹۹۶ م)، سحب نظام البعث عملياً ملف المفاوضات من يد وزارة خارجيته وأحاله إلى "وزارة الاستخبارات"، متبعاً بذلك تكتيكاً جديداً لتعطيل المفاوضات وجعلها عديمة الجدوى. وفور ذلك، وصل وزير الاستخبارات العراقي إلى إيران، وفي محاولة تضليلية للخروج من مأزق المفاوضات، أعلن عن مطلبه الرئيسي المتمثل في "تجاهل كافة الاتفاقات السابقة". وزعم الوزير العراقي أن عناصر الاستخبارات يتمتعون بنفوذ أكبر داخل هيكلية النظام، وبالتالي يمكنهم دفع المهمة بشكل أفضل.

وعند زيارته لطهران، توجه الوزير العراقي إلى وزارة الاستخبارات متوقعاً أن يجد نظيره الإيراني، إلا أن "رئيس لجنة الأسرى" الإيرانية هو من تولى عملية التفاوض معه. وفي هذا اللقاء، طُرحت قضية تحرير كافة الأسرى لدى الطرفين للنقاش. وشدد الممثل الإيراني على التمسك بالاتفاقات السابقة، منتقداً بشدة المواقف المتذبذبة للجانب العراقي، ومندداً بتجاهل الجوانب الإنسانية لقضية الأسرى واستغلالها كأداة دعائية من قبل الصحافة العراقية. وقد أدت مواقف إيران الحازمة والمبدئية إلى تراجع الجانب العراقي عن هذا التكتيك، وإعادة الملف مجدداً إلى وزارة الخارجية.

مبادرة إيران الإنسانية وتحديات دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر

في محاولة لكسر الجمود في المفاوضات، أقدمت إيران في ۵/۸/۱۳۷۵ هـ.ش (۲۶ أكتوبر ۱۹۹۶ م) على الإفراج الأحادي عن ۱۵۰ أسيراً عراقياً، وهي خطوة لاقت أصداءً إعلامية إيجابية في الدول الأوروبية. وبناءً على هذه المبادرة، تشجعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إرسال ممثل عنها لتحريك المفاوضات، حيث زار "ميشيل كانيو"، المدير العام لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طهران في ۱۳ آذر (ديسمبر) ۱۳۷۵ هـ.ش (ديسمبر ۱۹۹۶ م) وأجرى مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين.

طالبت إيران خلال المباحثات بضرورة التزام اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالحياد، وتنظيم جهود صادقة لإيجاد حلول عملية لمسألة الأسرى، وتصحيح إحصائيات اللجنة الدولية حول أعداد الأسرى لدى البلدين. إلا أن ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبذريعة أن «اللجنة لا يمكنها قبول الأرقام إلا بناءً على الأدلة والزيارات الميدانية»، وقف عملياً في صف المواقف العراقية. وتزامناً مع وجود ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نشرت بعض الصحف الإيرانية واسعة الانتشار مقالات وافتتاحيات شديدة اللهجة انتقدت فيها أداء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مذكرةً إياه برسالته الإنسانية الدولية (للمزيد يرجى مراجعة صحف "كيهان"، "اطلاعات"، و"الجمهورية الإسلامية" في آذر ۱۳۷۵ هـ.ش)[٤].

استمرار التحديات الدبلوماسية في عام ۱۳۷۶ هـ.ش (۱۹۹۷ م)

في السابع من نوروز ۱۳۷۶ هـ.ش (مارس ۱۹۹۷ م)، وعقب لقاء جمع وزيري خارجية إيران والعراق على هامش اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي في الرباط، جرى التأكيد على متابعة ملف الأسرى عبر المسار الدبلوماسي تحت إشراف وزارتي خارجية البلدين. وأعلن وزير خارجية نظام البعث حينها عن استعداده للإفراج عن ۶۴ أسيرًا إيرانيًا كانوا قيد الاحتجاز. وفي هذه الأثناء، لعبت الصحافة الناشئة (التي ظهرت بعد انتخابات ۲ خرداد ۱۳۷۶ هـ.ش حاملةً موجة من الفكر التجديدي والمطالب المجتمعية) جنباً إلى جنب مع الصحافة التقليدية التي عاصرت سنوات الحرب، الدور الأبرز في تقديم الدعم الإعلامي والدعائي لمفاوضات السلام وتحرير الأسرى المتبقين.

المواجهة الإعلامية المتجددة بين إيران والعراق

في شهر شهريور ۱۳۷۶ هـ.ش (أغسطس/سبتمبر ۱۹۹۷ م)، زار ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إيران مجدداً، وأعلن صراحةً أنه لا يعلم بوجود أي أسير سوى الـ ۶۴ سجينًا والطيار "حسين لشکری". وكان موقف هذا الممثل، الذي بدا قريباً من المواقف العراقية، يعني تجاهل العديد من الوثائق والأدلة التي قدمتها المسؤولون الإيرانيون للجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن وجود آلاف الأسرى الإيرانيين في معتقلات نظام البعث السرية والعلنية. ورداً على هذا الموقف، عقد رئيس لجنة الأسرى مؤتمراً صحفياً أكد فيه أن الأرقام التي أعلنها ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر غير صحيحة، معتبراً إياها تأكيداً على محاولات الجانب العراقي لعرقلة الحل النهائي لملف الأسرى. ومن جانبهم، رد المسؤولون العراقيون بتجديد اتهاماتهم المعتادة، مما أدى إلى اشتعال الهجمات الإعلامية العراقية ضد إيران مرة أخرى بعد فترة من الهدوء.

وفي خطاب تلفزيوني، هاجم صدام حسين إيران متهماً إياها بالرغبة في التوسع، متحدثاً من منطلق زائف كزعيم للعالم العربي عن قضايا هامشية. ورداً على تصريحات صدام، صرح الدكتور "خرم"، المستشار الأقدم لوزير الخارجية الإيراني، للصحافة الوطنية قائلاً:

«لا ينبغي أن نتوقع من أنفسنا القيام برد فعل حاد تجاه تصريحات صدام؛ فقد اعتدنا على هذه التقلبات من جانب نظام البعث، لذا سيكون تعاملنا متوازناً».

وبلغة دبلوماسية رفيعة، نجح "خرم" في التقليل من شأن صدام عبر إظهار الفجوة بين نظام البعث والعالم العربي. وتماشياً مع هذا الموقف السياسي، اتخذت لجنة الأسرى خطوة عملية بالإفراج الأحادي عن ۴۶ أسيراً عراقياً؛ مما أضفى صبغة إيجابية على أجواء مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي ومنع قادة الدول الإسلامية من التأثر بالدعاية الإعلامية العراقية. وفي إطار تعزيز الموقف الإنساني، أطلقت إيران لاحقاً ۱۵۰ أسيراً عراقياً آخرين، بينما رد نظام البعث بخطوة "انفعالية" عبر الإفراج عن أسيرين إيرانيين كانا مفقودين، واللذين قدما معلومات قيمة للغاية ساهمت بشكل كبير في سير المفاوضات اللاحقة.

قمة الرباط والتبادل النهائي

في منتصف شهر آذر ۱۳۷۶ هـ.ش (ديسمبر ۱۹۹۷ م)، وفي خطوة غير متوقعة، وصل "سعيد الصحاف"، وزير خارجية نظام البعث، إلى طهران للمشاركة في مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي. وخلال الزيارة، وزع رسالة تضمنت ادعاءات مكررة بين الأعضاء، زعم فيها عدم وجود أي أسير إيراني في العراق، في حين كان لا يزال هناك ۱۸۰۹۲ أسيراً عراقياً في إيران! وطالب أعضاء المنظمة بتقديم المساعدة من منطلق إنساني للإفراج عن الأسرى العراقيين. وبعد توزيع رسالته، عقد الصحاف مؤتمراً صحفياً محاولاً استدراج الصحفيين لأسئلة حول محتوى الرسالة، إلا أن ممثلي الصحافة الإيرانية تعاملوا بذكاء وحنكة؛ إذ تجنبوا الإشارة إلى رسالته تماماً، وقاموا في الوقت ذاته بنشر أخبار تتعلق بقائمة تضم ۹۴۲۴ أسيراً إيرانيًا موجودين في العراق.

لقد ساهم التضامن بين الصحافة الوطنية والمسؤولين في تعزيز موقف إيران في المحافل الدولية. وفي نهاية المطاف، تم تحديد وضع ۱۲۶۷ أسيراً وسجيناً إيرانيًا، تبين للأسف أن ۱۷۵ منهم فقط كانوا على قيد الحياة ومحتجزين في سجون نظام البعث. وفي عملية تبادل ناجحة، تم تبادل هؤلاء الأسرى مع ۲۱۷۰ أسيراً عراقياً في فترة زمنية وجيزة.

تحرير الطيار حسين لشکری ومرحلة جديدة من المفاوضات

في إطار الجهود المضنية التي بذلها المسؤولون لتحديد مصير الأسرى وتحريرهم، شهد شهر فروردين ۱۳۷۷ هـ.ش (مارس/أبريل ۱۹۹۸ م) عملية تبادل أخرى، حيث تم تحرير ۳۱۹ شخصاً من "الأحرار" الإيرانيين مقابل ۱۵ أسيراً عراقياً لكل منهم. ومن بين الذين نالوا حريتهم في هذه المرحلة، كان الطيار "حسين لشکری" الذي عاد إلى أحضان وطنه بعد ۱۸ عاماً من الأسر. ولأول مرة في هذه المرحلة، سُمح للصحفيين المحليين والدوليين بالمشاركة في مراسم استقبال الأسرى وتغطيتها بالصور والتقارير لنشرها في صحفهم العالمية.

وبناءً على أدلة قاطعة، كان هناك ما لا يقل عن ۴۷۴ أسيراً إيرانياً آخرين لا يزالون في قبضة نظام البعث، مما استوجب مواصلة المساعي. وعليه، بدأت الجهات المعنية مرحلة جديدة من العمل الدؤوب لتحرير المتبقين. وبعد ثلاثة أيام من تحرير هذه المجموعة، كتبت صحيفة "الشرق الأوسط" العراقية: «ملف الأسرى الإيرانيين سيُغلق بنهاية العام الميلادي».

هذا الخبر، الذي أيدته صحف عراقية أخرى مثل "المصور العربي"، منح المسؤولين الإيرانيين قوة وحافزاً جديداً لمضاعفة الجهود من أجل حسم مصير ما تبقى من الأسرى.

الانتصار الدبلوماسي في بغداد وتكتيك "السجناء السياسيين"

تمثلت أولى ثمار هذه الجهود في إجبار الجانب العراقي على القبول بإحصائيات تقترب من الواقع، وهو ما تحقق في اجتماع اللجنة المشتركة الإيرانية العراقية المنعقد في ۲۷ خرداد ۱۳۷۷ هـ.ش (يونيو ۱۹۹۸ م) في بغداد. في هذا الاجتماع، نظم نظام البعث ادعاءاته إلى حد كبير، وقبل قائمة الأسرى الإيرانيين المتبقين والمفقودين. ووفقاً لهذه القائمة، كان هناك ۳۱۲۰ أسيراً إيرانياً في العراق يتطلب وضعهم الحسم، وقد وُقعت محاضر الاجتماع والقائمة المتفق عليها من قبل الطرفين. كما تبين، بعد تحديد وضع الأسرى العراقيين، أن هناك ۲۸۳۸ أسيراً عراقياً لا يزالون لدى إيران. وبتبادل هذه القوائم بحضور ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد الجانب العراقي أي حجة لاستخدام الدعاية السلبية ضد إيران.

كان من المتوقع أن يكون عام ۱۳۷۷ هـ.ش (۱۹۹۸ م)، الذي شهد تحرير ۴۹۴ أسيراً إيرانياً، عام الحسم النهائي لملف كافة الأسرى والمفقودين. إلا أن الآمال تحولت إلى يأس مرة أخرى عندما عمدت سلطات نظام البعث إلى تغيير وصف الأسرى الإيرانيين من "أسرى حرب" إلى "سجناء سياسيين"، مع تكرار ادعاء عدم وجود أي أسير إيراني في العراق. وقد أثار هذا السلوك استغراب وكالات الأنباء الغربية ودفعها لاتخاذ مواقف انتقادية (حيث تناولت وكالة الأنباء الفرنسية "AFP" هذا الموضوع في أحد أعدادها الصادرة في أبريل ۱۹۹۸ م).

وقد واجه هذا التغيير في الموقف العراقي موقفاً حازماً وصريحاً من رئيس الجمهورية آنذاك، آية الله هاشمي رفسنجاني، الذي صرح قائلاً:

«إن حل المشكلة بين طهران وبغداد مرهون بتوضيح مصير الأسرى المتبقين».

وبالتزامن مع ذلك، قدم رئيس لجنة الأسرى وثائقه إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً وجود ۳۲۰۶ أسرى إيرانيين على الأراضي العراقية. وفي المقابل، أشار أحد المسؤولين العراقيين في حديثه لصحيفة "صوت الطلبة" العراقية إلى قائمة بالأسرى العراقيين الذين استسلموا للوفد الإيراني.

التصعيد الإعلامي وتهديدات صدام حسين

وفي شهر تیر ۱۳۷۸ هـ.ش (يوليو ۱۹۹۹ م)، اتخذت الصحافة العراقية من موضوع الأسرى المتبقين في إيران موضوعاً محورياً بمناسبة ذكرى "النصر في الحرب"، وصبّت جام غضبها في مقالات هجومية. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "بابل" العراقية، التي كانت تدار تحت مسؤولية عدي بن صدام، في العمود الرئيسي بصفحتها الأولى:

«إن عدم حل قضية الأسرى يشكل أحد المشاكل القائمة بين البلدين».

كما ادعى صدام حسين في أحد خطاباته:

«إيران تحتجز آلاف الأسرى العراقيين وترفض إطلاق سراحهم، ونحن سنلجأ إلى القوة إذا لزم الأمر لتحرير أسرانا».

وعقب هذه التصريحات، شنت الصحافة العراقية حملة جديدة من الجدل ضد إيران. ولم تكن الصحافة الإيرانية غافلة عن هذه التفاعلات، بل قامت بنقلها والرد عليها بذكاء. وفي هذا الإطار، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الصحافة المحلية والدولية إلى مؤتمر صحفي، رد فيه على "ترهات" صدام وفند ادعاءاته كذباً وزوراً، قائلاً: «إن موقف إيران تجاه أسرى ومفقودي الحرب المفروضة موقف إنساني يتسم بالرحمة والعطف الإسلامي. بل إن نظام البعث هم من جعلوا مصير آلاف الأسرى الإيرانيين ألعوبة، وهم الذين يتهربون من إطلاق سراحهم».

بالتزامن مع حملتها الدعائية والإعلامية، عمد نظام البعث إلى إصدار ۲۴ مجلداً من مذكرات ضباط بعثيين كانوا أسرى في إيران بهدف «صناعة وثائق» تخدم روايتها، وقد سارعت الصحافة العراقية إلى نشر مقتطفات منها، مما أثر نسبياً على اتجاهات الرأي العام في الصحافة الغربية والعربية. ولإبطال هذه الحملة، اتخذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوة جريئة بالإفراج الأحادي عن ۲۷۷ أسيراً عراقياً في ۱۸ مهر ۱۳۷۸ هـ.ش (أكتوبر ۱۹۹۹ م). وبالتوازي، سلطت الصحافة الإيرانية الضوء على نزعة إيران الإنسانية وسعيها لتطوير العلاقات على أساس السلام والصداقة. وفي استمرار لهذا النهج، أطلقت إيران سراح ۵۰۰ أسير عراقي آخر بشكل أحادي، وتبعتهم بـ ۴۸۰ أسيراً في شهر أرديبهشت ۱۳۷۹ هـ.ش (مايو ۲۰۰۰ م)، ثم ۴۴۰ أسيراً بعد ذلك بعشرين يوماً؛ ليبلغ إجمالي من أطلقت إيران سراحهم بشكل أحادي ۱۶۹۷ أسيراً في غضون بضعة أشهر.

دبلوماسية جنيف وتدويل الملف

في أعقاب هذه الخطوات، دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إيران لاستئناف المفاوضات تحت إشرافها. ولبى الجانب الإيراني هذه الدعوة، حيث توجه وفد رفيع في دي ۱۳۷۸ هـ.ش (يناير ۲۰۰۰ م) إلى جنيف. وفي خطوة مبتكرة، اصطحب الوفد عدداً من "الأحرار" معهم إلى جنيف ليعرضوا مأساة الأسرى الإيرانيين المتبقين في العراق أمام وسائل الإعلام العالمية. وقد طالب الدكتور "البرزي"، ممثل وزارة الخارجية الإيرانية، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإصدار بيان رسمي حول إجراءات إيران، وتوجيه رسالة رسمية لرئيس نظام البعث لحثه على تذليل عقبات تبادل الأسرى. وخلال هذه الرحلة، تم تسليم وثائق تخص أكثر من ۳۰۰۰ أسير ومفقود إيراني لمسؤولي اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

مراحل الحسم وتبادل الأجساد

شهدت هذه الفترة رحيل "السيد علي أكبر أبو ترابي‌فرد" (سيد الأحرار) في ۱۲ خرداد ۱۳۷۹ هـ.ش (يونيو ۲۰۰۰ م)، وهو ما أعاد قضية الأسرى إلى صدارة المشهد الإعلامي. ومع استمرار المساعي، أطلقت إيران في مناسبات متتالية ۴۵۰ و۷۲۸ أسيراً عراقياً. وتزامناً مع ذلك، أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بياناً هاماً أكد فيه أن الأسرى العراقيين الذين لجأوا إلى إيران قد أعلنوا خلال مقابلاتهم عدم رغبتهم في العودة إلى العراق، مما أدى إلى تراجع حدة الضغوط الإعلامية ضد إيران بشكل ملحوظ.

وفي ظل طول أمد الأزمة ووفاة أو استشهاد العديد من الأسرى، اقترح الوفد الإيراني آلية جديدة للجنة الدولية للصليب الأحمر تركز على الأسرى المتوفين لإنهاء حالة الترقب لعائلاتهم. وعلى الرغم من اتفاق الجانبين على سرية المفاوضات لضمان نجاحها، إلا أن الجانب العراقي نكث بوعده بعد الإفراج عن ۲۴ إيرانياً، وقام بشن حملة إعلامية جديدة. ومع ذلك، استمرت الجهود التي توجت بتبادل رفات ۵۷۰ أسيراً إيرانياً (من بينهم الشهيد الطيار عباس دوران) مع ۱۱۷۹ جثة لعراقيين، وهو ما أضفى أجواءً معنوية كبيرة على الشارع الإيراني.

الخاتمة: نهاية ملف الأسرى

في أعقاب موجة جديدة من المفاوضات بدأت في آبان ۱۳۸۱ هـ.ش (نوفمبر ۲۰۰۲ م)، توصل البلدان إلى اتفاق شامل للإفراج عن كافة الأسرى والسجناء. وفي آخر جولة، تم الاتفاق على تبادل ۹۴۱ أسيراً عراقياً و۳۰ سجيناً عراقياً مقابل ۳۵۱ سجيناً وأسيراً إيرانياً. وقد تم تنفيذ هذا الاتفاق في شهر إسفند ۱۳۸۱ هـ.ش (مارس ۲۰۰۳ م). وفي الأيام الأخيرة من عام ۱۳۸۱ هـ.ش، أعلن رئيس لجنة الأسرى الإيرانية رسمياً وبشكل قاطع: «لم يعد لدينا أي أسير في العراق».

انظر أيضاً

  • الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران
  • السيد علي أكبر أبو ترابي‌فرد
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر
  • جمعية الهلال الأحمر
  • عودة "الأحرار" إلى أرض الوطن
  • حسين لشکری
  • محمد جواد تندگویان

المصادر والمراجع

  1. حبيبيان، محمدحسن وعسكري، شاداب (۱۳۹۳ هـ.ش / ۲۰۱۴ م). الأسرى العراقيون أم الضيوف؟ الطبعة الثانية. طهران: منظمة حفظ قيم الدفاع المقدس، ص. ۴۱.
  2. علائي، حسين (۱۳۹۱ هـ.ش / ۲۰۱۲ م). مسار الحرب الإيرانية العراقية. المجلد الأول. طهران: مرزبوم، ص. ۲۱۸ و ۲۳۰.
  3. ٣٫٠ ٣٫١ ٣٫٢ آقائي، عباس ورستمي، فاطمة (۱۳۹۳ هـ.ش / ۲۰۱۴ م). خطوة بخطوة مع الأحرار: مذكرات اللواء عبد الله نجفي. الطبعة الثانية. طهران: مركز وثائق الثورة الإسلامية، ص. ۹۷.
  4. ٤٫٠٠ ٤٫٠١ ٤٫٠٢ ٤٫٠٣ ٤٫٠٤ ٤٫٠٥ ٤٫٠٦ ٤٫٠٧ ٤٫٠٨ ٤٫٠٩ ٤٫١٠ ٤٫١١ ٤٫١٢ ٤٫١٣ ٤٫١٤ ٤٫١٥ ٤٫١٦ ٤٫١٧ ٤٫١٨ ٤٫١٩ ٤٫٢٠ ٤٫٢١ ٤٫٢٢ ٤٫٢٣ ٤٫٢٤ ٤٫٢٥ ٤٫٢٦ أرشيف الصحف الإيرانية: (الجمهورية الإسلامية، كيهان، اطلاعات، ابرار، سلام...) وأرشيف المجلات التخصصية (صف، آزادگان، پاسدار اسلام).
  5. صحيفة الغارديان (The Guardian): ۲۴ يوليو ۱۹۸۵ م، ص. ۶.
  6. ولايتي، علي أكبر (۱۳۷۶ هـ.ش / ۱۹۹۷ م). التاريخ السياسي للحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران. طهران: مكتب نشر الثقافة الإسلامية.
  7. هاشمي رفسنجاني، أكبر (۱۳۹۲ هـ.ش / ۲۰۱۳ م). نهاية الدفاع وبداية إعادة الإعمار: سجل ومذكرات عام ۱۳۶۷ هـ.ش (۱۹۸۸ م). طهران: مكتب نشر معارف الثورة الإسلامية.
  8. ده‌نمكي، مسعود (۱۳۸۴ هـ.ش / ۲۰۰۵ م). معجم الأسر: الأسرى والأحرار في الصحافة. طهران: آسمان دانش.

للمزيد من القراءة

درويشي، فرهاد (۱۳۹۰ هـ.ش / ۲۰۱۱ م). الحرب الإيرانية العراقية: أسئلة وأجوبة. الطبعة السابعة. طهران: مركز دراسات وأبحاث الحرب.

Metz, Helen Chapin, ed. (1988), "The Soviet Union", Iraq: a Country Study, Library of Congress Country Studies.

الكاتب

إسماعيل علوي‌يگانه