انتقل إلى المحتوى

العنف في الأسر

من ويكي الاحرار

يُعدُّ العنف واقعيةً لا يمكن إنكارها في جميع المجتمعات عبر مختلف العصور التاريخية. ويرى فريق من المنظّرين أن العنف هو في جوهره أمر سياسي؛ لذلك يمكن اعتبار "العنف السياسي" أحد أهم التقسيمات المرتبطة بأنواع العنف، والذي يشمل بدوره تصنيفاتٍ مثل: العنف الموجّه واللاموجّه، والعنف العلني والخفي، والعنف الفردي والهيكلي، والعنف الجسدي والنفسي. كما يمكن إعادة تعريف الحرب بوصفها عنفاً سياسياً شديد التنظيم، واعتبار الأسرى أحد ضحايا هذا العنف. فعلى سبيل المثال، في التاريخ المعاصر لإيران، نرى أنه خلال الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران، وحتى في السنوات التي تلت وقف إطلاق النار، مارس نظام البعث أقصى درجات العنف انتقاماً من الأسرى الإيرانيين المحتجزين لديه، وذلك بسبب عدم تحقيقه لأهدافه المنشودة في الحرب[١].

المفاهيم

العنف كلمة ذات "مفهوم واسع، ويصعب تعريفها في بُعد واحد فقط. فمثلاً، إذا نظرنا فقط إلى المفهوم المادي أو الطبيعي للعنف، فيمكننا تعريفه بأنه نوع من القوة أو الجبروت الذي يفرض نفسه على الظواهر الأخرى، سواء كانت بشرية أو غير بشرية، لتحديد حدود قوة تلك الظواهر"[٢]. لا يوجد اتفاق بين الخبراء حول معنى العنف وتعريفه، لذا توجد مشكلة أساسية في تقديم تعريف لهذا الموضوع. "ومع ذلك، يمكن القول إنه في هذا التعريف، يوجد إجماع نسبي ينص على أن العنف يُعرَّف كما يلي: «أي هجوم جسدي ضد الكيان الإنساني يكون بدافعه الإيذاء أو التسبب بالألم والضرر»".

في هذا التعريف، ينصب التركيز فقط على الهجوم الجسدي، بينما قد يكون التصادم أو الهجوم لفظياً، بل قد يُعتبر في المواجهة اللفظية أن وجه العنف أقوى وأكثر تأثيراً من الهجوم الجسدي، ما لم يُستخدم مصطلح "الجسدي" في التعريف بمعناه العام؛ وفي هذه الحالة تظهر مشكلتان خطيرتان: أولاً، أن الهجوم في المحاورات لا يتضمن بالضرورة عنفاً لفظياً؛ وثانياً، في المواجهة اللفظية، ما يكون عنيفاً ليس الألفاظ أو الأصوات، بل مضمون الكلمات هو ما يسبب الأذى للمتلقّي"[٣].

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار العنف تجلّياً مفرطاً وشديداً للغضب والانفعال، سواء كان عاطفياً أو لفظياً[٤]. ويمكن أن يشمل هذا السلوك الاحتقار، أو الإهانة، أو الشتم، أو محاولة إلحاق أذى جسدي. وفي كل حالة، يكون الهدف من السلوك هو إلحاق الضرر بالآخرين، أي فرض الألم والمعاناة الجسدية أو النفسية. ويتجلى العنف والعدوانية، وفقاً للتعريفات المذكورة، على المستويين الفردي والجماعي، ولكن يمكن اعتباره نتاجاً اجتماعياً يتجلى من خلال عوامل اجتماعية مختلفة في مجالات النشاط الاجتماعي المتنوعة[٥].

أنواع العنف

يجب القول إنه تم تقديم تصنيفات متنوعة لمفهوم العنف حتى الآن؛ ومن بينها تصنيف "غالتونج" الذي يقسم العنف إلى: عنف هادف وغير هادف، عنف علني وخفي، عنف فردي وبنيوي، عنف جسدي ونفسي، عنف موجّه نحو الضحية وعنف بلا ضحية[٦]. وبالاستناد إلى المصادر الموثوقة، يمكن أيضاً إجراء تلخيص لهذا التقسيم وذكر الحالات التالية بشكل عام: العنف المشروع وغير المشروع، العنف الجسدي وغير الجسدي، والعنف الفردي والاجتماعي. وفيما يلي تعريف موجز لكل منها:

العنف الجسدي وغير الجسدي

يُقصد بالعنف الجسدي تلك الأفعال التي تتحقق بشكل موضوعي وملموس في العالم الخارجي؛ مثل: القتل، والحبس، والضرب والجرح. أما العنف غير الجسدي فيشمل الإجراءات التي لا تكون ملموسة أو محسوسة بشكل عام، مثل: التجاهل، والنظرات الازدراء، والتعامل التمييزي؛ أو تلك التي تكون درجة محسوسيتها ضئيلة جداً مقارنة بالفئة الأولى، حيث لا يعد الفعل المحسوس سوى أداة، مثل: السبّ والكلمات المهينة. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن نطاق العنف غير الجسدي واسع جداً، مثل: سلب أنواع الحريات المشروطة، وفرض الهيمنة، وخلق بيئة مغلقة تمنع نمو وازدهار البشر[٣].

العنف الفردي والاجتماعي

في العنف الفردي، يكون الأفراد هم ضحايا العنف، أما في العنف الاجتماعي، فإن المجتمعات هي التي تقع ضحية لهذا الفعل. قد يكون مصدر هذه العنفات داخلياً أو خارجياً. وتشمل العنفات الاجتماعية الداخلية: السرقات المسلحة، والجرائم المتسلسلة، والتظاهرات في الشوارع، ونفي الحرية، وسلب قدرة الناس على تحديد إدارة المجتمع أو الرقابة على الحكام. أما العنفات الاجتماعية الخارجية، فتشمل: الاستعمار، والحرب، وفرض نظام "المنتج الواحد" للضغط على الأمم من أجل تأمين مصالح القوى العظمى، ونشر الأفكار المشكّكة والفساد الأخلاقي (ما يسمى بالاستعمار الثقافي)، وإهانة المقدسات والمبادئ الاعتقادية للمجتمع، والتحقير العنصري للمجتمعات[٣].

وتجدر الإشارة إلى أن العنف واقع لا يمكن إنكاره في جميع المجتمعات عبر مختلف الحقب التاريخية، ورغم أنه لم يختفِ قط، إلا أنه جرت دائماً محاولات لوضع قيود على ممارسته. وفي هذا الصدد، يرى فريق من المنظّرين أن العنف جزء جوهري من "الشأن السياسي"، حيث يرى هذا المنظور أن جوهر السياسة هو "السلطة"، وكل ما يقوم على السلطة لا يمكن أن يخلو من ظهور العنف. وفي المقابل، هناك فريق آخر من النظريات يرى العنف كظاهرة مستقلة عن الشأن السياسي[٧].

ومن بين الباحثين الإيرانيين، يُعد "سعيد پیوندي" ممن أقروا بالارتباط الوثيق بين السلطة والعنف، واستشهد بعدة نماذج لتعدد أشكال العنف في التاريخ المعاصر لإيران، معتبراً أن من أهم مصادرها هي السلطة السياسية والأنشطة العسكرية الخارجية[٨]. ويتبنى "فکوهي" رؤية مشابهة تقريباً[٢].

أما فيما يتعلق بأنواع العنف السياسي، فتماماً كما هو الحال في تعريف كلمة العنف ومجالاتها، نجد تنوعاً في التصنيفات. فعلى سبيل المثال، يعتبر "تيد روبرت غر" أن الاضطرابات، والمؤامرات، والحروب الأهلية هي أمثلة بارزة على العنف السياسي، كما أعاد تعريف الحرب بوصفها عنفاً سياسياً شديد التنظيم[٩].

وبناءً على ذلك: "يجب اعتبار الحرب أشد أشكال العنف السياسي من الأعلى، وذلك من حيث اتساع نطاق العنف المستخدم، وكثافته، وحجم الدمار والخسائر الناجمة عنه". ويمكن تعريف مفهوم الحرب بأنها: "مواجهة منظمة بين دولتين مستقلتين أو أكثر حول خلافات وأهداف رسمية ومعلنة مسبقاً".

ويكمن السبب الرئيسي للحرب في عدم المساواة بين الدول؛ ويمكن أن يتخذ هذا التفاوت شكلين أساسيين: أولاً، عدم المساواة الاقتصادية أو النمو الاقتصادي غير المتكافئ بين الدول المتجاورة، والذي قد يكون ناتجاً عن ظروف طبيعية (مثل عدم تساوي الموارد) أو ظروف غير طبيعية (مثل السياسات الاقتصادية الخاطئة أو تأثير السوق العالمية)، مما يؤدي إلى اندلاع الحرب بدافع النهب والاستيلاء على الغنائم. وقد شهد التاريخ حالات كثيرة من هذا النوع، ومن أحدثها الحرب التي فرضها نظام البعث الحاكم في العراق على إيران (۱۹۸۰-۱۹۸۸ م) وحرب نظام البعث مع الكويت وحلفائها في أوائل التسعينيات. ثانياً، عدم المساواة السياسية، والمتمثلة في وجود أنظمة سياسية متناقضة ومتضادة في الدول المتجاورة أو المتقاربة[٢].

انظر أيضاً

  • التمييز بين العنف والتعذيب في معسكرات الأسر التابعة لنظام البعث الحاكم في العراق
  • العقاب و التعذيب

المراجع

  1. حسني‌فر، عبد الرحمن؛ ملائي تواني، عليرضا و نجار، سعيد (۱۴۰۱ هـ.ش / ۲۰۲۲ م). "تمثيل عنف العسكريين العراقيين في مذكرات الأسرى الإيرانيين في حرب الدفاع المقدس". مجلة التاريخ والتدوين التاريخي، المجلد ۳۲، العدد ۲۹، ص ص. ۵۵-۷۹.
  2. ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ فکوهي، ناصر (۱۳۷۸ هـ.ش / ۱۹۹۹ م). العنف السياسي: نظريات، مباحث، أشكال وحلول. طهران: دار قطرة للنشر.
  3. ٣٫٠ ٣٫١ ٣٫٢ هزاوه‌اي، محمدرضا (۱۳۸۳ هـ.ش / ۲۰۰۴ م). "دلالات العنف (Semantics of Violence)". طهران: دراسات استراتيجية للمرأة، العدد ۲۳.
  4. زارع، حکيمه (۱۳۸۸ هـ.ش / ۲۰۰۹ م). "دراسة أثر السياسات الثقافية على الميل نحو العنف في كرة القدم الإيرانية لعام ۱۳۹۷". رسالة ماجستير، جامعة الزهراء.
  5. محسني تبريزي، عليرضا (۱۳۸۳ هـ.ش / ۲۰۰۴ م). التخريب (Vandalism). طهران: منشورات آن.
  6. حیدري چروده، مجید (۱۳۸۹ هـ.ش / ۲۰۱۰ م). "التحليل السوسيولوجي لأثر تهميش ضحايا العنف وعلاقته بالسلوك العنيف تجاههم". مجلة دراسة القضايا الاجتماعية في إيران، السنة الأولى، العدد ۲.
  7. عابدي اردکاني؛ الله‌دادي، نفیسه (۱۳۹۷ هـ.ش / ۲۰۱۸ م). "كارل شميت وتنظير العنف". مجلة دراسات الغرب الأساسية، المجلد ۹، العدد ۱۱۵، ص ص. ۱-۱۳۹.
  8. پیوندي، سعید (۱۳۸۴ هـ.ش / ۲۰۰۵ م). "نقد العنف السياسي في إيران". مجلة بازتاب اندیشه، العدد ۶۹.
  9. روبرت غر، تيد (۱۳۸۸ هـ.ش / ۲۰۰۹ م). لماذا يتمرد البشر؟ ترجمة: علي مرشدي زاده، طهران: معهد الدراسات الاستراتيجية.

الكاتب

سعيد نجار