العقاب و التعذيب
العقوباتُ العنيفة التي كان يفرضُها نظام البعث الحاكم في العراق على الأسرى الإيرانيين.
العقاب
يَذكرُ "قاموسُ سخن الكبير" تعريفين لمصطلح "العقاب": الأوّل: المُعاقبةُ بقصدِ الإصلاحِ والتهذيب. والثاني: الإعلامُ والتنبيه.
أمّا العقابُ في الأسر، فكان في الواقع شكلاً من أشكالِ عقابِ الأسرى على فعلٍ اعتبرته سلطاتُ معسكراتِ نظام البعث مخالفاً للوائحِ الداخلية. وتنوّعت أشكالُ العقاب في الأسر إلى:
أ) العقاب البدني: 1. فردي. 2. جماعي.
ب) العقاب النفسي (الروحي): 1. فردي. 2. جماعي.
التعذيب
يتمُّ تناولُ مصطلح "التعذيب" في المصطلحاتِ الفقهيةِ تحتَ كلمة "التعذيب". وأصلُ "العذاب" في كلامِ العرب يُطلقُ على الضربِ، ويُستعملُ لكلِّ عقوبةٍ يقترنُ بها ألمٌ وعناء. وقد استُعيرَتْ هذه الكلمةُ لوصفِ الأمورِ الشاقّةِ والصعبةِ جداً[١]. أمّا في المواثيقِ الدولية، فالتعذيبُ يعني أيَّ عملٍ يُلحِقُ ألماً أو معاناةً شديدةً، جسديةً كانت أم نفسيةً، بصورةٍ متعمّدةٍ بشخصٍ ما، بهدفِ الحصولِ على معلوماتٍ أو اعترافٍ منه أو من طرفٍ ثالث (المادة 13 من اتفاقيةِ جنيف الثالثة، والمادة 130).
وكان يُقصدُ بـ "تعذيبِ وإيذاءِ الأسرى" تلك الحالاتِ التي يتعرّضُ فيها فردٌ أو أفرادٌ للإساءةِ والإيذاءِ الجسديِّ والنفسيِّ بأساليبَ مختلفةٍ بهدفِ انتزاعِ المعلومات، وتنقسمُ إلى فئتين:
أ) التعذيب النفسي (الروحي).
ب) التعذيب الجسدي.
يشيرُ العقابُ والتعذيبُ في الأسر إلى جملةِ الإجراءاتِ التي استخدمتها سلطةُ نظام البعث القاهرةُ لتحقيقِ أهدافٍ محدّدة. هذه الممارساتُ، التي كانت تتعارضُ بشكلٍ صريحٍ مع الأعرافِ والمبادئِ الاجتماعيةِ والعسكريةِ والدولية، كانت تُطبَّقُ عبرَ وسيلتين: نفسيةٍ وجسدية. وفي كلِّ معسكرٍ من معسكراتِ أسرى الحربِ الإيرانيين في العراق، كان العقابُ والتعذيبُ يختلفُ حسبَ نوعِ السلوكِ ودرجةِ العنفِ الذي يمارسُه حرّاسُ وعناصرُ البعث، كما كانت أنواعُ الإيذاءِ تختلفُ من أسيرٍ لآخر. وما يردُ في هذا المقالِ من ذكرٍ للعقابِ والتعذيبِ هو الحالاتُ التي كانت تُطبَّقُ في أغلبِ المعسكرات.
العقاب والتعذيب الجسدي
وهي الإجراءاتُ التي كان الجنودُ وضباطُ الأمن التابعون للنظام البعثي يقومون بها بشكلٍ مباشرٍ على الأجساد، مُسبّبةً ألماً ومعاناةً بالغَيْنِ للأسرى الإيرانيين. كانت هذه الإجراءاتُ تُطبَّقُ دونَ أيِّ قيد، باستخدامِ أدواتٍ مثلَ الكابلاتِ والخراطيمِ والعصي الغليظةِ والهراواتِ والزوايا الحديدية (النبشي) والصفعاتِ والركلات، وأيِّ فعلٍ آخرَ ترتؤيه نزعاتُ الجنود البعثيين الشخصية لإيذاء الأسير.
إنشاء "نفق الرعب" (تونل الموت)
كان "نفق الرعب" أوضاعاً يمرُّ بها كلُّ أسيرٍ إيرانيٍّ مراتٍ عديدة، ويحملُ كلٌّ ذكرى مريرةً عنه عند دخولِه المعسكرَ أو نقله أو نفيِه أو عندَ انتقالِه إلى معسكرٍ آخر: "كانت خطّةُ قوات البعث أنه كلما أرادوا نقلَ مجموعةٍ من الأسرى، يُقيمون أمامَ بوابةِ المعسكرِ صفّاً متقابلاً من الجنودِ البعثيين ليُشكّلوا ممرّاً ضيّقاً. وكان على الأسرى المرورُ عبرَه، بينما يبدأ الجنودُ -المُجهّزون مسبقاً بالهراواتِ والكابلاتِ والزوايا الحديديةِ والعصي والحبالِ الغليظةِ والأحزمة- بضربِ الأسرى بعنف. وكثيراً ما كانت تلك الضرباتُ تؤدّي إلى إصاباتٍ بالغةٍ أو إعاقاتٍ دائمة"[٢][٣][٤][٥].
الفَلْق (فلک کردن)
كان الفلقُ من أكثرِ أساليبِ العقابِ شيوعاً لدى قوات البعث. وكانت طريقتُه ربطَ طرفيْ عصا أو قضيبٍ حديديٍّ بكاحليْ الأسيرِ بحبل. "كانوا يُجبرون الأسيرَ على الاستلقاءِ على ظهرِه، ويُجبَرُ على نزعِ حذائِه وجواربِه، ثمّ توضعُ قدَماه حتى الكاحلين بين الحبلِ والعصا (أو القضيب) المُستخدمِ في الفلق"[٦]. في هذه الحالةِ، كان الجنودُ يلفّون العصا عدةَ لفاتٍ حتى تُشَدَّ القدمان بشدّةٍ بين العصا والحبل، مما يسبّبُ ضغطاً مفرطاً على الساقين وظهرِ القدمين. وإذا طالت مدّةُ التعليق، فإنّ الحبلَ والعصا كانا يسببان جروحاً غائرةً في القدمين.
الضرب المبرح
كان الضربُ بأدواتٍ مثل الكابلاتِ والخراطيمِ والهراواتِ من أبرزِ أدواتِ العقابِ التي استخدمها حراسُ المعسكرات البعثيون. وكان مشهدُ الجنودِ حاملِي الكابلاتِ في أيديهم داخلَ المعسكراتِ مشهداً اعتيادياً ودائماً. في أحيانٍ كثيرة، كانوا يُجبرون الأسيرَ على نزعِ قميصِه، ثمّ يبدأون بضربِ جسدِه العاري بالكابلاتِ والهراوات. وفي أحيانٍ أخرى، كانوا يسكبون الماءَ على جسدِ الأسيرِ حتى يبتلَّ تماماً، ثمّ يضربونَه، مما يزيدُ من ألمِ الضربات. وللسيطرةِ التامّة، كانوا يُجبرون الأسيرَ المُرادِ عقابُه على الجلوسِ بوضعيةِ السجودِ أو نصفِ القرفصاء، ثمّ يشرعون في ضربِه.
كان قطرُ الكابلِ المستخدَمِ يتجاوزُ السنتيمترين، وكان ثقيلاً جداً، لذا كانت ضرباتُه قاسيةً جداً. واستخدم الجنودُ البعثيون نوعاً آخرَ من الكابلاتِ رفيعَ القطرِ ومرنَاً للغاية. كانوا يُزيلون غلافَه البلاستيكي عن بضعةِ سنتيمتراتٍ من طرفِه، ليظهروا الأسلاكَ الداخليةَ المعدنية. ثمّ يطوون هذه الأسلاكَ على شكلِ خطافاتٍ أو كلاباتٍ حادة. وعندما يضربون بها الأسيرَ، كان الكابلُ بسبب مرونتِه يلتفُّ حولَ الجسد، وتغوصُ الخطافاتُ في اللحم. وعندما يجذبُ الجنديُ الكابلَ ليفكَّه، كانت هذه الخطافاتُ تُمزِّقُ الجلدَ والعضلاتَ تحته، مخلّفةً جروحاً عميقةً ونازفة[٢][٧].
الهراوات والعصي الغليظة
استُخدمت أنواعٌ مختلفةٌ من الهراواتِ، كما استُعملت مقابضُ الأدواتِ والأغصانُ السميكةُ لأشجار النخيل. وفي أحيانٍ أخرى، كان الحراسُ البعثيون يستخدمون أيَّ أداةٍ متاحةٍ كـمقبضِ الفأسِ أو القضبانِ الحديديةِ والزوايا المعدنية (النبشي). وللأسف، نتيجةَ الضربِ الوحشي، أصيبَ عددٌ من الأسرى بإعاقاتٍ دائمةٍ أو إصاباتٍ خطيرةٍ مثل كسورٍ في الأطراف.
الصَّفْع
كان الصفعُ أحدَ أساليبِ عقابِ الأسرى في المعسكرات. وكانت الضربةُ تُوجَّهُ بقوّةٍ وبطريقةٍ تؤثّرُ بشكلٍ أساسيٍّ على الأذنِ والجمجمة، مما كان يؤدي في بعضِ الأحيانِ إلى تمزُّقِ طبلةِ الأذنِ ومشاكلَ في السمع.
اللكمات والركلات
كان العقابُ باللكماتِ والركلاتِ شائعاً جداً. وكانت معظمُ الضرباتِ تُوجَّهُ إلى الرأسِ والوجهِ والساقين والمفاصلِ والأعضاءِ التناسلية. وأصيبَ عددٌ كبيرٌ من الأسرى الإيرانيين بإصاباتٍ بالغةٍ نتيجةَ هذه الضربات، مثل كسورِ في الفكِّ والأنفِ والأسنان.
التعليق من مراوح السقف
من أساليبِ العقابِ ربطُ قدميْ بعضِ الأسرى بمراوحَ سقفية، مع تحريكِ المروحةِ بسرعاتٍ متفاوتةٍ حسبَ رغبةِ الجلاّد. وأثناء الدوران، كان رأسُ الأسيرِ أو وجهُه يرتطمُ بالجدارِ أحياناً، كما كانوا يضربونَه أثناءَ الدورانِ بالكابلات. وردَ في تقريرِ اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن تفتيشِ معسكرِ صلاح الدين: "كان يُعلَّق الأسرى من أيديهم وأرجلهم لساعاتٍ طويلةٍ دونَ أن تلمسَ أقدامُهم الأرض. وكانت مدّةُ التعليقِ تتراوحُ بين ٥ و ١٠ ساعات، وبلغتْ في بعضِ الحالاتِ ٣٦ ساعة. وكان هذا يتمُّ في زنزاناتِ الحبسِ الانفراديِّ باستخدامِ خطّافاتٍ مُعلَّقةٍ من السقف، بحيثُ يكونُ جسدُ الأسيرِ المُعلَّقُ معرّضاً لأشعّةِ الشمس المباشرة".
الحبس الانفرادي
كانت زنزانةً صغيرةً مجاورةً للمعسكر، مساحتُها نحوُ مترٍ ونصف إلى مترين. وجميعُ منافذِها كانت ملحومةً بإحكام، بالكادِ يُرى منها النور. وكانت تُستخدمُ لمعاقبةِ بعضِ الأسرى بأعمالٍ شاقّة[٨].
"في زنزاناتٍ صمّمتْ أساساً لسجينٍ واحد، كانوا يحبسون ثلاثين أسيراً لثلاثةِ أيامٍ وليالٍ؛ بحيثُ ينامون واقفين بسببِ الزحام. وبفعلِ الضغطِ الشديدِ وضيقِ المساحة، كانت أيدي وأقدامُ الشبابِ تبرزُ من بين قضبانِ النوافذِ الحديدية. ولأنّ رؤوسَنا لم تكن تمرُّ من بين القضبان، كانت آثارُها تظهرُ على الجباهِ وأجزاءٍ أخرى من الوجهِ والجسدِ على شكلِ كدماتٍ زرقاء"[٩].
نزع الأظافر
لانتزاعِ الاعترافاتِ أو عقابِ بعضِ الأسرى، كانوا يستخدمون أدواتٍ خاصةً لنزعِ أظافرِ أيدي وأقدامِ الأسير. وكان هذا الإجراءُ يسبّبُ هبوطاً حاداً في ضغطِ الدمِّ وفقدانَ الوعي أحياناً. وكان هذا النوعُ من التعذيبِ يُمارسُ غالباً في مقارِّ جهاز المخابرات البعثي (الاستخبارات).
إلقاء الأسرى في أحواض الصرف الصحي للمعسكر
بسببِ نقصِ شبكاتِ الصرفِ الصحي، كانوا يحفرون حفراً في المعسكراتِ لتجميعِ المياهِ العادمة. ومع امتلائِها، كان الأسرى يُجبرون على تفريغِها بدلاء. وأحياناً كانوا يستخدمون هذه الحفرَ للعقاب، بإلقاءِ الأسيرِ فيها لمدةٍ طويلةٍ في حرِّ الصيفِ أو بردِ الشتاء. وربّما ألقَوا بالأسيرِ في مرحاضٍ عامّ، مما كان يسبّبُ له إيذاءً جسدياً ونفسياً شديداً.
"في صباحٍ باردٍ من الشتاء، وبذريعةٍ واهية، اعتدَوا على عددٍ من الأسرى الشباب. ومن بينهم شابٌّ من مدينة أردكان في محافظة يزد، دفعوه في حفرةِ الصرفِ الصحي حتى لم يَبرزْ منها إلا رأسه، ثمّ ضغطوا على رأسِه بأحذيتِهم العسكرية. بعدَ دقائقَ أخرجوه من الحفرةِ وقد غطّتْ أقذارُ الجسدِ كلَّه، وكان يرتجفُ من البردِ والقهر"[١٠].
العقاب بسبب مساعدة الآخرين
كان البعثيون يعاقبون الأسيرَ بعنفٍ إذا شاهدوه يساعدُ رفيقاً له، حيثُ كانوا يعتبرون ذلك تحدّياً لسلطتهم.
"أحدُ الأسرى كان مصاباً بشظيةٍ في قدمِه، فكان يتأخرُ في الحركةِ أو الوقوفِ في الصف. فاحتَاطَ به عددٌ من العناصر البعثية وبدأوا بضربِه بقسوة. فجأةً، خرج السيد علي أكبر أبوترابي فرد من الصف، وأمسكَ بيدِ الأسيرِ المصابِ وساعده على اللحاقِ بالصف. عندها، اعتقلوه بحجّة الإخلال بالنظام وانهالوا عليه ضرباً بالهراواتِ والكابلات حتى اسودَّ وجهُه من الكدمات"[١١].
الانضباط العسكري الصارم
سادتْ في معسكراتِ الأسرى تَسَلُّطٌ عسكريٌّ هَرَميٌّ صارمٌ بصورتِه الأكثر قسوة. لم يكُنْ للتابعِ حقُّ الاعتراضِ على أمرِ رئيسِه أو حتى إبداءِ رأيٍ مخالف. وعندَ صدورِ الأمر، كان عليه أن يردَّ فوراً: "نعم سيدي!" لا أقلَّ ولا أكثر. وإلا، فإنّ الرئيسَ كان يفرضُ عليه أقسى العقوباتِ التأديبية، بل وله أن يُقدِمَ على تعذيبه جسدياً بنفسِه[١٢].
الصدمات الكهربائية
كان ذلك من أشدِّ أنواعِ العقابِ والتعذيبِ الجسديِّ ألماً، وكان يؤدي في بعضِ الأحيانِ إلى مشاكلَ قلبيةٍ أو إصاباتٍ في الجهازِ التناسلي.
حفر الرأس بالمثقاب (الدرل)
كانوا في بعضِ الأحيانِ يستخدمون المثقابَ الكهربائي (الدرل) لحفرِ جمجمةِ الأسير. بالإضافةِ إلى الخنقِ والقيامِ بتمرينات "بشین و پاشو" (القيام والقعود) لساعات، والتعرّضِ لأشعةِ الشمسِ الحارقة، والاستلقاءِ على الأرضِ المُغطاةِ بالترابِ أو القاذورات، وإفراغِ دلاءِ المراحيضِ على الرؤوس، وإحراقِ باطنِ الأقدام، وغيرِها من الأساليبِ الوحشيةِ التي مارسها النظام البعثي ضدَّ الأسرى.
العقاب والتعذيب النفسي (الروحي)
المنع من أداء الشعائر الدينية
في المعسكرات، كانت جميعُ الممارساتِ الدينيةِ الجماعيةِ ممنوعةً قطعياً. حتى الفرائضُ الفردية، وإن لم تكن محظورةً نصّاً، كانت تؤدّي بالأسيرِ الملتزمِ -إذا رآه الحراس- إلى العقابِ بذريعةٍ أخرى. وبشكلٍ عام، لم يكن البعثيون يمنعون الصلاةَ الفرديةَ بشكلٍ صريح، لكنهم كانوا يعارضون بشدّةٍ أيَّ شكلٍ من أشكالِ العبادةِ الجماعية.
بثُّ الأغاني المستهجنة عبر مكبّرات الصوت
كانت مكبّراتُ صوتٍ كبيرةٌ موزّعةٌ في ساحاتِ المعسكرات، وأخرى صغيرةٌ داخلَ غرفِ السكن، تعملُ من الصباحِ حتى المساء، وأحياناً حتى منتصفِ الليل، على بثِّ أغانٍ عربيةٍ وفارسيةٍ ذاتِ كلماتٍ بذيئةٍ وألحانٍ مُثيرة، بشكلٍ كان مُقزِّزاً ومُهيناً للأسرى الملتزمين[١٣].
إجبار الأسرى على ترديد شعاراتٍ ضدّ مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية
منذُ بدايةِ الأسرِ حتى نهايتِه، حاول النظام البعثي، بشتّى الذرائع، إجبارَ الأسرى على شتمِ وتوهينِ قادةِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران. لكنّ الأسرى، وبالرغمِ من العقوباتِ القاسيةِ وألوانِ التعذيب، قاوموا هذا الطلبَ بشجاعةٍ نادرة، وكانت حالاتُ الاستجابةِ نادرةً جداً.
"تحت وطأةِ التعذيبِ الشديدِ والضربِ بالكابلات، الذي وصلَ حدَّ كسرِ عظامِ يديه وفكِّه، قال الأسيرُ للجلادين: لن أهينُ الإمامَ الخميني أبداً، حتى لو قتلتموني. وإذا رأيتُ الإمامَ فسأقبّلُه من قدمَيه إلى عمامتِه، وأنا مستعدٌّ للموتِ عندَ قدمَيه"[١٤].
إجبار الأسرى على ضرب بعضهم البعض
كان حراسُ المعسكرات البعثيون يُجبرون الأسرى على ضربِ وإهانةِ بعضِهم بعضاً. ومَن يرفضُ كان يتعرّضُ لعقابٍ شديد.
قطع المياه
لزيادةِ الضغطِ على الأسرى، كانت سلطاتُ المعسكرات تقطعُ الماءَ عنها لأيامٍ وأسابيع، مما كان يؤدّي إلى أزماتٍ صحيةٍ وبيئيةٍ صعبة. وكانت مياهُ الشربِ تُوزَّعُ بشكلٍ مقنّنٍ عبر صهاريج.
تجويع الأسرى وتعطيشهم
خلافاً للأنظمةِ الدولية (المواد 26-27 والمواد 129-131 من اتفاقيةِ جنيف الثالثة)، عانى الأسرى الإيرانيون خلالَ سنواتِ الأسرِ من الجوعِ والعطشِ الشديدَين. فمنذُ بدايةِ الأسرِ ولمدّةٍ طويلة، لم يكن العطشُ ليفارقَهم. وكان الحراسُ البعثيون، بأعذارٍ مختلفة، يتعمّدون تلويثَ ماءِ الشربِ بموادَ تنظيفٍ أو يحجزون الطعام، ويُقفلون الأبوابَ لعدّةِ أيام، ليضعوهم في ظروفٍ معيشيةٍ قاسية.
"فتحَ الجنديُ البعثيُّ قِرْبةَ الماءِ وسلّمها للضابط. ثمّ سكبَ القليلَ من الماءِ على رأسي، فشعرتُ ببرودةِ السائلِ على جلدي. كنتُ أتتبّعُ يدَه وهو يُفرغُ ما تبقّى من القِرْبةِ على الأرضِ أمامَ لساني الظمآن"[١٥].
التهديد بالقتل وطمس هوية الأسير
خلقتِ التهديداتُ المستمرةُ بالقتلِ، والوعودُ الكاذبةُ بالإفراج، والإخفاءُ القسريُّ لبعضِ الأسرى (المفقودين)، وإيداعُ آخرين في الحبسِ الانفراديِّ لمددٍ مجهولة، غُموضاً كاملاً حولَ مصيرِ الأسرى، وهو ما تركَ ضغطاً نفسياً شديداً على الجميع.
تعذيب الشخصيات البارزة والمحترمة بين الأسرى
كثيراً ما كان الجلادون البعثيون يختارون الشخصياتِ البارزةَ والمحترمةَ بين الأسرى -مثل العلماءِ الدينيين والقادةِ العسكريين والطيّارين وكبارِ السن- للتعذيبِ أمامَ الآخرين، أو عزلِهم ومنعِ أيّ اتصالٍ معهم. وإذا حاول أحدُ الأسرى مخالفةُ هذا الحظرِ والاتصالِ بهم، كان يتعرّضُ بدورِه لأشدِّ العقوبات[١٣].
عقوبات وتعذيب أخرى
إلى جانب ما ذُكر، طبّق النظام البعثي عقوباتٍ أخرى في بعضِ المعسكرات، منها:
1. وضعُ الأسير في كيسٍ بلاستيكيٍّ أو خيشةٍ وضربُه؛
2. إجبارُ الأسرى على الحلاقةِ بشفرةٍ حلقٍ كالّةٍ واحدةٍ لستةَ عشرَ شخصاً؛
3. وضعُ مكواةٍ حديديةٍ ساخنةٍ على أجزاءٍ من الجسد؛
4. إجبارُ الأسرى المرضى والمُصابين على الركض؛
5. وضعُ أحجارٍ أو كتلٍ خرسانيةٍ على صدرِ الأسيرِ وضربُه بالكابل؛
6. منعُ "الفرجة" (الخروجِ إلى فناءِ المعسكرِ للترويح)؛
7. إجبارُ الأسرى على مشاهدةِ برامجَ تلفزيونيةٍ مبتذلة؛
8. مداهمةُ غرفِ السكنِ ليلاً ومنعُ الأسرى من النوم؛
9. منعُ الأسرى من زيارةِ رفاقِهم في أقسامٍ أخرى من المعسكر؛
10. منعُ النظرِ إلى ما حولَه داخلَ المعسكر؛
11. التفتيشُ المستمرُّ وإيجادُ الأعذارِ الواهيةِ للعقاب؛
12. منعُ التعلّمِ واقتناءِ الكتبِ والمجلات؛
13. منعُ استخدامِ الورقِ والأقلام؛
14. إجبارُ الأسرى على السيرِ "زحفاً" (سینهخیز) أو "قفزاً على قدمٍ واحدة" (كلاغ پر) تحتَ الشمسِ الحارّة؛
15. إطفاءُ أعقابِ السجائرِ على الجسد؛
16. إجبارُ الأسيرِ العاري على التدحرجِ على أرضيةٍ مغطاةٍ بقطعِ الزجاج؛
17. إجبارُ الأسرى على كنسِ ساحةِ المعسكرِ بأيديهم في الشتاءِ والصيف؛
18. السخرةُ في أعمالٍ شاقّةٍ لساعاتٍ طويلة؛
19. قلعُ الأسنانِ دونَ بنج؛
20. إجراءُ عملياتٍ جراحيةٍ صغيرةٍ دونَ بنج؛
21. التلاعبُ برسائلِ الأسرى إلى عائلاتِهم وإيصالُ أخبارٍ مزيفةٍ أو محبطة؛
22. إجراءُ إحصاءاتٍ ليليةٍ متكررةٍ (آمار) لإرهاقِ الأسرى؛
23. عدمُ تسجيلِ بياناتِ عددٍ من الأسرى لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مما حرمَ عائلاتِهم من أيِّ خبر، وحرَمَ الأسرى من حقِّ المراسلة[١٦].
انظر أيضاً
- العقاب والتعذيب الجسدي
- العقاب والتعذيب النفسي (الروحي)
فهرس المصادر
- ↑ الجزيري، عبد الرحمن؛ مازح، ياسر؛ الغروي، محمد (1419). الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت (عليهم السلام). المجلد 1، بيروت: دار الثقلين، ص 470.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ نوبراني، أمير (1391). رنج و گنج. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 277.
- ↑ مبوهوتي، أحمد (1389). دياري غربت. الطبعة الثانية، طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 51-52.
- ↑ سالمي نژاد، عبد الرضا (1388). در زندان دژخيم. الطبعة الثانية، طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 59.
- ↑ أكبرنيا، عبد الحميد (1389). تبسم اشكها. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 31.
- ↑ كاشاني زاده، پروين (1395). شبهاي آپادانا. ذكريات علي رضا داوري، الطبعة الثالثة، طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 232.
- ↑ حاتمي، زهرا (1393). براي عاطفه. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 37.
- ↑ محمدي، سهيلة (1393). حماسۀ مجنون. دزفول: الناشر، ص 128.
- ↑ خرمي، مسعود (1389). ما هشت نفر. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 56.
- ↑ دوستكامي، فاطمة (1390). چشم تر: خاطرات بهجت أفراز. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 66.
- ↑ رجائي، غلامرضا / غلامعلي (1391). سيرة أبوترابي، ج1. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ج1، ص 62.
- ↑ پایگاه اطلاعرسانی و خبری جماران (1395). تم الاسترجاع من: https://www.jamaran.news
- ↑ ١٣٫٠ ١٣٫١ داعي، علي (1387). نقض حقوق أسرى الحرب الإيرانيين والمسؤولية الدولية لدولة العراق. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 90-92.
- ↑ عبدالهي، سرفراز (1393). زخم عشق. طهران: مؤسسة پیام آزادگان، ص 134.
- ↑ حسيني بور، سيد ناصر (1395). پايي كه جا ماند. الطبعة 58، طهران: سورة مهر، ص 80 و 367.
- ↑ المجلس العلمي لموسوعة آزادگان (1399). موسوعة آزادگان: الأسرى الإيرانيون المفرج عنهم في الحرب العراقية على إيران. طهران: مؤسسة البحوث الإنسانية والدراسات الثقافية؛ مؤسسة پیام آزادگان،
للمزيد من القراءة
الموقع الشامل للأسرى (آزادگان): https://www.mfpa.ir
شهبازي، شهاب الدين (1386). شبهاي بيمهتاب. طهران: سورة مهر.
مبوهوتي، أحمد (1389). دياري غربت. الطبعة الثانية، طهران: مؤسسة پیام آزادگان.
مراد شفيعي